والتودد إلى الناس مع الانجماع عنهم ، وعدم الكلام إلا أن يسأل فيجيب ويجيد ، وكلما طالت مجالسة الطالب له ظهر فضله لا يتكثّر بفضائله ، ولا يغتاب أحدا ، وكان يصعد إلى الصالحية ماشيا ، لا يركب بغلا ولا حمارا ، وهو في عمر التسعين ، ويستحمّ بالماء البارد في الشيخوخة ، إلا أنه كان قد امتحن بأمر المطالب وتتّبعها ، فعثر به جماعة من الشياطين ، وأكلوا معه ، فكان لا يزال في فقر ؛ لأجل ذلك .
وحجّ ، وسمع بالحرمين ، والقدس ، ودمشق ، ومصر ، وحلب ، وحماة ، وحمص ، وبعلبك ، والإسكندرية ، وبلبيس ، وقطيا وغير ذلك . وأوذي مرة ، واختفى مدة ؛ من أجل سماع تاريخ الخطيب ، وأوذي مرة أخرى ؛ لأجل قراءة شيء من كتاب أفعال العباد مما يتأوّله الفضلاء المخالفون ، وحبس .
ولما توفي ابن أبي الفتح حصل له من جهاته حلقة الخضر والحديث بالناصرية ، فأضاءت بذلك حاله ، واتسع رزقه ، ثم إنه ولي دار الحديث الأشرفية بعد ابن الشريشي سنة ثماني عشرة وسبعمائة ، التزم بمذهب الشافعي ، وأشهد عليه بذلك ، وذكر الدّرس بالأشرفية في الثالث عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة ، وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية : لم يل هذه المدرسة من حين بنائها إلى الآن أحق بشرط الواقف منه ، وقد وليها جماعة كبار مثل ابن الصّلاح ، ومحيي الدين النواوي وغيرهما ؛ لأن الواقف قال : فإن اجتمع من فيه الرواية ، ومن فيه الدراية قدّم من فيه الرواية .
وأخبرني من لفظه شيخنا الذهبي ، ونقلته من خطه ، قال : ما رأيت أحدا في هذا الشأن أحفظ من الإمام أبي الحجاج المزي ، وسمعته يقول في شيخنا أبي محمّد الدمياطي « 1 » :
إنه ما رأى أحفظ منه ، وكان الدمياطي يقول : إنه ما رأى شيخا أحفظ من زكي الدين عبد العظيم ، وما رأى الزكي أحفظ من أبي الحسن علي بن المفضّل « 2 » ، ولا رأى ابن المفضّل أحفظ من الحافظ عبد الغني « 3 » ، ولا رأى عبد الغني أحفظ من أبي موسى المديني « 4 » ، إلا أن يكون الحافظ أبا القاسم بن عساكر فقد رآه ، ولم يسمع منه ، ولا رأى ابن عساكر ،
هامش
( 1 ) أبو محمد الدمياطي هو : شرف الدين عبد المؤمن بن خلف .
( 2 ) أبو الحسن علي بن المفضل هو : علي بن المفضل بن علي ، المتوفى في سنة 611 ه . ( انظر : سير أعلام النبلاء : 22 / 66 ) .
( 3 ) الحافظ عبد الغني هو : عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ، المتوفى في سنة 600 ه . ( انظر : سير أعلام النبلاء : 21 / 443 ) .
( 4 ) أبو موسى المديني هو : محمد بن عمر بن أحمد ، المتوفى في سنة 581 ه . ( انظر : سير أعلام النبلاء :
21 / 152 ) .