إيش معك ؟ فقلت : مائتا درهم ، فقال : ادفعها إلى هذا الفقير ، فقلت له : يا سيدي ، الليلة العيد وما معنا ما ننفقه غدا ، فقال لي : امض إلى القاضي كريم الدين ، وقل له : الشيخ يهنئك بهذا العيد ، فدفع إليّ ألفي درهم ، وقال : هذه للشيخ ، وكأنه يعوز نفقة في هذا العيد ، ولك أنت ثلاثمائة درهم ، فلما حضرت بالدراهم من عند كريم الدين إلى الشيخ ، قال : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الحسنة بعشرة أمثالها هذه مائتان بألفين .
وكان هذا شهاب الدين العسجدي والقاضي علم الدين سليمان بن إبراهيم المستوفي ، وكانا به خصيصين ، وحكيا لي عن مكارمه ، وعن صدقاته وبره للفقراء والصالحين أمرا عظيما ، وحكى لي عن أوائل عشرته ، أنها تكون في غاية اللطف والإقبال الزائد على صاحبه ، ثم إذا طالت استحال : ( الوافر )
وداد ابن الوكيل له مثال * كلبا دين جلّق في المسالك
فأوّله حليّ ثمّ طيب * وآخره زجاج مع لوالك
وجميع موشحاته ، وسمّاه طراز الدار ، وهذه تسمية بديعة ، قلب فيها تسمية موشحات ابن سناء الملك ؛ لأنه سمّي ديوانه دار الطراز ، ومن شعره ، وهي من غرر قصائده : ( البسيط )
ليذهبوا في ملامي أيّة ذهبوا * في الخمر لا فضّة تبقى ولا ذهب
والمال أجمل وجه فيه تصرفه * وجه جميل وراح في الدّجى لهب
لا تأسفنّ على مال تمزّقه * أيدي سقاة الطّلا والخرّد العرب
فما كسوا راحتي من راحها حللا * إلا وعرّوا فؤادي الهمّ واستلبوا
راح بها راحتي في راحتي حصلت * فتمّ عجبي لها وازداد لي العجب
أن ينبع الدّرّ من حلو مذاقته * والتّبر منسبك في الكأس ينسكب
وليست الكيميا في غيرها وجدت * وكل ما قيل في أوصافها كذب
قيراط خمر على القنطار من حزن * يعود في الحال أفراحا وينقلب
عناصر أربع في الكأس قد جليت * وفوقها الفلك السّيّار والشّهب
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل * بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب
شججت بالماء منها الرّأس موضحة * فحين أعقلها بالخمس لا عجب
قلت : لو لم يقل الشيخ صدر الدين من الشعر إلا هذا البيت ، لكان قد أتى بشيء غريب نهاية في البديع ، لقد غاص فيه على المعنى ، ودق تخيّله فيه ، وهذا شعر فقيه :