إذا ترنّم شاد لليراع به * لاقى المنايا بلا خوف ، ولا حرق
وأما الدين فإنه تمكّن منه بالحبل المتين ، وأما الورع فكان معلقا منه في الوتين ، له في ذلك عجائب ، وأخبار تحملها الصبا والجنائب ، قدم على شيخنا العلامة شيخ الإسلام ، وهو مقيم بالشام ، وعاد إلى القاهرة ثم زاره ثانيا ، فأمسكه إمساك غريم ألد ، وألزمه بنيابته فسلك فيها الطريق الأسد بالأمر الأشد ، ولم يكن يزل على حاله إلى أن جر أبو الفتح إلى لحده ، وطوت شقة الأيام منه نسيج وحده .
وكان قد نزل بالمدارس بالقاهرة ، وتولى الإعادة للفقهاء بالمشهد الحسيني والمدرسة السيفية في حدود سنة عشرين وسبعمائة ، ودرّس بالمدرسة السيفية المذكورة سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، نيابة عن جده أبي زكريا يحيى ، واستقر التدريس بها باسمه ، ولم يزل بها مدرسا مع ما أضيف إليه من الوظائف ، إلى أن باشر التصدير بالجامع الطولوني وغيره ، لما توجّه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي إلى الشام ، وولي القضاء بالمقسم ظاهر القاهرة .
ثم إنه ورد الشام ، وتولى تدريس المدرسة الركنية الجوانية ، وخلافة الحكم العزيز بالشام ، والتصدير بالجامع الأموي .
وكان - رحمه اللّه تعالى - شديد الورع ، متحرزا في دينه ، محتاطا لنفسه ، درس بالركنية ، فحكى لي بعض الفقهاء ، أنه كان لا يتناول منها ما فيها من الجراية ، ويقول :
تركي لهذا في مقابلة أني ما يتهيأ لي فيها الصلوات الخمس ، وكان سديد الأحكام ، بصيرا بمواقع الصواب فيها .
وكتب إلى شيخنا العلامة أبي حيان مع خشكنانج ، جهّزه إليه بعد عيد الفطر :
أهنّيك بالعيد الّذي حلّ عندنا * خلعت عليه من علاك جلالا
وحاولت تعجيل البشارة ، والهنا * فأرسلت من قبل الهلال هلالا
ومن شعره - رحمه اللّه تعالى - : ( الكامل )
واللّه لم أذهب لبحر سلوة لكم * ولا لتفريج لكم قلب موجع
لكنّه لمّا تأخّر مدّة * أحببت تعجيل الوفاء بأدمعي
ومنه : ( السريع )
منذ بعدتم فسروري بعيد * وبعدكم لم أتمتّع بسعيد
وكيف يهوى العيد أو نزهة * شهيد وجد ، ودموع تزيد