العربية ، وأتقنها ، وحرر قواعدها ، ومكنها ، واستطال بالأصول ، وأرهف منها الأسنة ، والنصول ، وقام بالحديث ، وروى ، وأما التفسير فكان يستحضر من بحاره الزخارة كل فائدة مهمة ، ومن كواكبه السيارة كل نير يجلو حنادس الظلمة .
وأما الخلاف ، ومذاهب السلف فذاك عشه الذي منه درج ، وغابه الذي ألفه ليثه الخادر ، ودخل ، وخرج .
وكان جريء الجنان ثابت الجأش لا يقعقع له بالسنان ، وله إقدام ، وتمكن وأقدام ، وحظه موفور ، وقبوله كل ذنب معه مغفور ، وكان يسلك طريق العلامة تقي الدين بن تيمية في جميع أحواله ، ومقالاته التي تفرد بها ، والوقوف عند نص أقواله .
وتوجه إلى الحجاز مرات ، وحاز ما هناك من المبرات .
ولم يزل على حاله إلى أن دخل تحت رزة الرزية ، وعدم الناس منه لذة الحلوى السكرية ، وإن كانت نسبته إلى الجوزية .
وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في الثالث عشر من شهر رجب الفرد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة .
ومولده سنة إحدى وتسعين وستمائة .
وكان محظوظا عند المصريين من الأمراء يعطونه الذهب ، والدراهم ، وهبه الأمير بدر الدين بن البابا مبلغ اثني عشر ألف درهم ، والأمير سيف الدين بشتاك أعطاه في الحجاز مائتي دينار .
وكان قد اعتقل مع الشيخ تقي الدين بن تيمية في قلعة دمشق بسبب « مسألة الزيارة » ، ولم يزل إلى أن توفي الشيخ تقي الدين فأفرج عنه في الثالث عشر من ذي الحجة سنة ثمان ، وعشرين ، وسبعمائة .
وما جمع أحد من الكتب ما جمع لأن عمره أنفقه في تحصيل ذلك . ولما مات شيخنا فتح الدين اشترى من كتبه أمهات ، وأصولا كبارا جيدة ، وكان عنده من كل شيء في غير ما فن ، ولا مذهب بكل كتاب نسخ عديدة منها ما هو جيد نظيف ، وغالبها من الكرندات . وأقام أولاده شهورا يبيعون منها غير ما اصطفوه لأنفسهم .
واجتمعت به غير مرة ، وأخذت من فوائده خصوصا في العربية ، والأصول .
وأنشدني من لفظه لنفسه : ( الطويل )
بني أبي بكر كثير ذنوبه * فليس على من نال من عرضه إثم
بني أبي بكر جهول بنفسه * جهول بأمر اللّه أنّى له العلم
بني أبي بكر غدا متصدّرا * يعلم علما ، وهو ليس له علم