إن طاجار الدوادار أخرجه من القاهرة إلى صفد بطالا ، فأقام فيها إلى أن حضر القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه إلى دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين تنكز ، فتحدّث له القاضي شهاب الدين ، وأحضره من صفد إلى دمشق ، فبقي فيها بطالا إلى أن توفي السلطان الملك الناصر محمد ، فتحدّث له القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه مع الأمير علاء الدين الطنبغا نائب الشام ، فأمر له بالدخول إلى ديوان الإنشاء ، فأقام به إلى أن رسم السلطان الملك الصالح بإبطال من أحدث عبد أبيه السلطان الملك الناصر فبطل ، ولازم بيته مدة ، ثم إنه دخل مع من دخل فيما بعد .
ولم يزل يكتب في ديوان الإنشاء بدمشق ، إلى أن حضر القاضي بدر الدين محمد بن فضل اللّه ، فسلّم إليه الأمر ، ورأى من السعادة ما لا رآه في عمره مدة ثلاث سنين ، ثم إن القاضي علاء الدين بن فضل اللّه طلبه إلى الديار المصرية ، فتوجه هو ووالده القاضي شهاب الدين أحمد في البريد يوم عيد الأضحى سنة سبع وأربعين وسبعمائة ، فأقام بها موقعا في الدست وولده في جملة كتاب الإنشاء ، إلى أن توفي - رحمه اللّه تعالى - في التاريخ المذكور .
وكنت قد كتبت إليه إلى دمشق من صفد : ( الخفيف )
إنّ عيني مذ غاب شخصك عنها * يأمر السّهد في كراها وينهى
بدموع كأنّهن الغوادي * لا تسل ما جرى على الخدّ منها
وكتبت إليه مع غلام حسن الوجه ، وهو بغزة : ( الكامل )
يا نازحا صوّرته في خاطري * فرميت للتّصوير بالنّيران
إن لم يبلّغك النّسيم تحيّتي * فلقد أتاك بها قضيب البان
وكتب هو إليّ من دمشق ، وأنا بصفد سنة ست عشرة وسبعمائة : ( الكامل )
أشتاق من دون الأنام خليلا * فلذاك أصبو بكرة ، وأصيلا
مولى رحلت ، وسرت عن معروفه * فعدمت من إحسانه تنويلا
لو كان في عصر مضى لم يعتمد * إلا على ألفاظه التّرسيلا
هو فارس في فنّه كم جدل ال * أقران في ميدانهم تجديلا
ليس اليراع بكفّه في طرسه * إلا حساما هزّه مصقولا
فإذا ترسّل خلته من لطفه * أضحى يدير على الأنام شمولا
نبت الكتابة عن سواه فلم تجد * إلا بضافي الظّلّ عنه بديلا