لتبك المعالي والنّهى الشّرف الأعلى * وتبك الورى الإحسان والحلم والفضلا
وتنتحب الدّنيا لمن لم تجد له * وإن جهدت في حسن أوصافه مثلا
ومن أتعب النّاس اتّباع طريقه * فكفّوا ، وأعيتهم طريقته المثلى
لقد أثكل الأيّام حتّى تجهّمت * وإن كانت الأيّام لا تعرف الثّكلا
وفارق منه الدّست صدرا معظّما * رحيبا يردّ الحزن تدبيره سهلا
فكم حاط بالرّأي الممالك فاكتفت * به أن تعدّ الخيل للصّون ، والرّجلا
وكم جرّدت أيدي العدى نصل كيدهم * فردّ إلى أعناقهم ذلك النّصلا
وكم جلّ خطب لا يحلّ انعقاده * فأعمل فيه صائب الرأي فانحلّا
وكم جاء أمر لا يطاق هجومه * فلمّا تولّى أمر تدبيره ، ولّى
وكم كفّ محذورا ، وكم فكّ عانيا * وكم ردّ مكروها وكم قد جلا جلّى
ومنها : ( البحر الطويل )
وقد كان للاجين ظلا فقلّصت * يد الموت عدوا عنهم ذلك الظّلّا
وعفّ عن الأغراض مغض عن القذى * صبور عليه في الورى يحمل الكلا
سأندبه دهري ، وأرثيه جاهدا * وأكثر فيه من بكاي وإن قلا
ولم يرنا في طول مدّتنا امرؤ * فيحسبنا إلّا الأقارب والأهلا
وكم أرشدتني في الكتابة كتبه * ولو زلّ عن إرشادها خاطري ضلّا
وكم مشكلات لم تبن لمحدّق * إليها جلاها فانجلت عندما أملى
فمن هذه حالي ، وحالته معي * أيحسن أن أبكي على فقده أم لا
وعهدي به لا أبعد اللّه عهده * وأقلامه أنّى جرت نشرت عدلا
وتجري بما تجري الملوك من النّدى * بها فتزيل الجدب ، والمحل ، والأزلا
لقد كان لي أنس به ، وهو نازح * كأنّ التّنائي لم يفرّق لنا شملا
وقد زال ذاك الأنس واعتضت بعده * دموعا إذا أنشأتها أنست الوبلا
فلا مدمعي الهامي يجفّ ، ولا الأسى * يخفّ جواه إن أقل لهما مهلا
ولا حرقي تخبو ، وإن يطف وقدها * بماء دموعي صار فيها غضّا جزلا
إلى اللّه أشكو فقد صحب رزئتهم * وفقد ابن فضل اللّه قد عدل الكلا