تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
السلطان يسلّم عليك ، فلحظته أنا وغمزته ، فعلم أنه كبير ، فقام وقف له ، وأجلسه إلى جانبه ، فأسررت أنا إليه أن هذا هو النشو ناظر الخاص ، فقام وقف ، وعامله بما يجب ، وحلف له أنه ما يعرفه ، فقبل اعتذاره ، ولما راح من عنده جاء إليه الأمير صلاح الدين الدوادار برسالة عن السلطان ، وكان الأمير علاء الدين بن هلال الدولة مشد الدواوين يروح إليه في الرسائل عن السلطان هذا ، وهو قاعد على مقاعد سنجاب ومقاعد سرسينا ، ولم أر أنا ولا غيري مصادرا مثله ، إلى أن قال له النشو : يا مولانا ، وزنت في الشام أربعمائة ألف ، فكمّل لنا ألف ألف ، فقال : السمع وألف طاعة ، وكتب خطه بستمائة ألف درهم ، ونزل إلى بيته ، ولم يزل يحمل إلى أن بقي عليه مائتا ألف ، فاستطلقها له الأمير سيف الدين قوصون من السلطان ، ولو أن بكتمر الساقي يعيش له ما جرى عليه بعض ذلك ، وكان أعاده ؛ لأنه شفع فيه عن طريق الحجاز ، وسير الإفراج عنه إلى الشام ، ومات بكتمر بعد ذلك ، ثم إن أعداءه غيّروا السلطان عليه ، وقيل له : إن في دمشق ودائع ، فكتب السلطان إلى تنكز ، فتتبع ودائعه ، وظهر له شيء كثير ، فحمل ذلك إلى السلطان . ولما مات - رحمه اللّه تعالى - وقع بين أولاده اختلاف في الميراث ، فطلع ابنه صلاح الدين يوسف ، ولم يكن له ولد ذكر غيره ، ودخل إلى السلطان ، ونمّ على أخواته ، فأخذ منهم شيء كثير من الجوهر ، فيرى الناس أن الذي أخذ من ماله أولا وآخرا ما يقارب الألفي ألف درهم ، وما أظنه نكب ظاهرا غير هذه المرة ، وسمعته ليلة يقول : من حين باشرت الكتابة ما أعلم أنني اشتريت لي مركوبا ، ولا قماشا ألبسه أنا ولا أهلي ، وفي هذه المصادرة لم يشك أحد عليه ، ولا رفع فيه قصة لا في الشام ولا في مصر ، ولما أفرج عنه ، خرج الناس له بالشمع ، وفرحوا به فرحا عظيما . وعمل بعد موته في دمشق محضر ، بأنه خان في مال السلطان ، واشترى به أملاكا ، وشهد فيه كمال الدين مدرس الناصرية ، وابن أخيه القاضي عماد الدين « 1 » ، وعلاء الدين ابن القلانسي « 2 » ، وعزّ الدين بن المنجى ، وغيرهم من الأكابر ، وامتنع عزّ الدين بن القلانسي ناظر الخزانة من ذلك ، ونفذ المحضر إلى مصر ، وأراد السلطان بيع أملاكه ، فوقف له قوصون ، واستطلقها منه لأولاده .
هامش
( 1 ) ستأتي ترجمته . ( 2 ) ابن القلانسي هو : حمزة بن أسعد بن فطفر بن أسعد بن حمزة التميمي الدمشقي الصاحب عزّ الدين أبو يعلي القلانسي . رئيس الشام في عصره ، مولده بدمشق سنة 649 ه ووفاته بها سنة 729 ه ، ولي وكالة السلطان والوزارة بها وأنشأ دار الحديث وإليه نسبتها وأعرض عن المناصب تنزها . ( انظر : الدرر الكامنة : 2 / 75 ، والدارس : 1 / 96 ) .