وانهلّ دمع الغوادي فيك من حزن * وشقّق البرق في الآفاق أردانا
ومزّق الصّبح أثواب الدّجى ورمى * حلى النّجوم ، وأضحى فيك عريانا
وكلّ ساجعة في الأيك نائحة * تملي من الوجد في الأشجار أشجانا
أتت دمشق بك الأخبار من حلب * يا بئس ما خبّر النّاعي ، وناجانا
وددت من حرقتي لو كنت ذا شجن * لو أنّ للصّخر قبل اليوم آذانا
تكاد تبكي المعالي فيك من جزع * بالدّمع لو ، وجدت للدّمع أجفانا
من للظّلام إذا نام الأنام غدا * يقطّع اللّيل تسبيحا ، وقرآنا
ومن لمحرابك الزّاكي فليس يرى * من بعد فقدك فيه قطّ إنسانا
كم قد ختمت كتاب اللّه متّعظا * وفي تدبّره كم رحت ، ولهانا
تواظب الصّوم في يوم الخميس وفي ال * اثنين حتّى لقد أمسيت خمصانا « 1 »
وكم ممالك قد دبّرت حوزتها * فكنت خير وزير قطّ ما خانا
وتستقيم بك الأحوال ماشية * حتّى تفيض بك الأموال طوفانا
للّه درّك كم جمّلت مدرسة * وبالكتابة كم شرّفت ديوانا
فكنت في الجود غيثا والهدى علما * وفي الحجى حجّة ، والعلم نهلانا
ثمّ اعتزلت الورى من غير ما سبب * إلّا لتطلب من ذي العرش رضوانا
ومن أراد من الأخرى جواهرها * أباع أعراض هذي المال مجّانا
وكان أربح مالا عند خالقه * وراج أرجح يوم الحشر ميزانا
فاذهب فأيّ ضريح أنت ساكنه * ترى التّراب به روحا ، وريحانا
ولم يمت من بنوه سادة نجب * لمّا بنى مجدهم شادوه إتقانا
وجمّلوا الملك إذ زانوا مناصبه * وألبسوها من العلياء تيجانا
إن كوتبوا أو لغوا أو خوطبوا وجدوا * في الخطّ ، واللّفظ في الهيجاء فرسانا
بهاؤهم ما يباهي عزمه أحد * وفيهم شرف باق لهم زانا
وما شهابهم خاف بمطلعه * كما كمالهم قد حاز إحسانا
بيانه ظاهر لو أنّ رونقه * للبدر لم يخش عند السّير نقصانا
هامش
( 1 ) الخمصة بالفتح : الجوعة يقال ليس للبطنة خير من خمصة تتيعها والمخمصة : المجاعة وهي مصدر كالمغضية والمعتبة وقد خمصه الجوع . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 122 ) .