سافرت عنّا فطال اللّيل في سهد * فنحن بعدك في ظلم ، وفي ظلم
آنست مصر ، وأوحشت الشّآم فيا * خلوّه من حلى الآداب ، والكرم
ليهن مصر صلاح الدّين كونك في * أرجائها كاتبا في أشرف الخدم
جمّلت ديوان إنشاء حللت به * يا خير حبر يوشّي الطّرس بالقلم
فما محيّاك إلّا بدر داجية * وما يمينك إلّا ركن مستلم
سقيا لأيّام أنس كان رونقها * بفضل أنسك فينا ، وافر القسم
نجني فضائلك الغرّ الحسان ، ولا * نعبا بروض سقاه ، وابل الدّيم
أقسمت لا فرق ما بين الجواهر في عقد * وبين الّذي تبدي من الكلم
فكتبت أنا الجواب إليه :
بالغت في الجود والإحسان والكرم * وزدت في شرف الأخلاق ، والشّيم
وما رضيت بغايات الأولى سبقوا * إلى المعالي ، ولا ترضى بعزمهم
حتّى تحوز على الجوزاء مرتقيا * إلى معاني لم تخطر بفكرهم
وتدرك المجد سبّاقا ، وشغلهم * في عثرة القول أو في عثرة الكلم
كم اجتهدت لعلّي أن أفوز فلم * أفز سوى مرّة في الدّهر بالخدم
وأبعدتني اللّيالي بعد ذاك ، وفي * قلبي حلاوة ذاك اللّطف ، والشّيم
فكنت كالمتمنّي أن يرى فلقا * من الصّباح فلمّا أن رآه عمي
فليت دهري يسخو لي بثانية * حتّى أعود إليها عود مغتنم
وأجتلي أوجه اللّذّات سافرة * عن كلّ مغنى حوى صنفا من النّعم
فما خلائقك الحسنى الّتي بهرت * عقلي سوى زهر في الرّوض مبتسم
أو نسمة خطرت بالبان نفحتها * ولا أقول سرت بالضّال ، والسّلم
وما عبارتك المثلى سوى درر * والنّاس تحسبها ضربا من الكلم
كم التقطت ، ومولانا يسامرني * جواهر الفضل ، والآداب ، والحكم
نعم ، وأبيات شعر راق موردها * لم أنسهنّ ، وما بالعهد من قدم
آها لأيّامنا بالخيف لو بقيت عشرا * وواها عليها كيف لم تدم
يا سيّدا بندى يمناه صحّ لنا * أنّ الغمام بخيل غير منسجم
وماجدا جدّ في كسب العلى فغدا * تخشى الصّوارم منه صولة القلم