أحاشيكم أن يألف القلب غيركم * فقلبي لا يرضى بهذا ، ولا ربّي
وحقّكم ما راقني غير حسنكم * وإحسانكم حسبي بما راقني حسبي
رحلت ولي قلب مقيم على الوفا * لعهدكم حتّى أوسّد في التّرب
أحاول عودي نحوكم ويصدّني * خيانة دهر راح حربي لا حزبي
أليس من الأنكاد أن لا مخبّر * يبلّغكم عنّي سلامي ، ولا كتبي
ولولا المنى أن يجمع اللّه شملنا * قريبا لما فارقت نوحي ، ولا ندبي
سأجهد في عودي لمطلع حبّكم * ولو أنّ لي في مصر مملكة الغرب
بعثتم على بخل الزّمان لأنّكم * كرام بنظم فاق منسجم السّحب
غدا خارجا في النّظم عن قدرة الورى * ولكنّه في حسنه داخل الضّرب
فقلت لدهري زد عليّ قساوة * فقد ظفرت كفّاي باللّؤلؤ الرّطب
وكتب هو إليّ ، وقد تواترت الثلوج والأمطار سنة 744 :
كيف أصبح مولاي في هذا الشتاء ؟ الذي أقبل يرعب مقدمه ، ويرهب تقدّمه ويريب اللبيب « 1 » من برقه المومض تبسّمه ، وكيف حاله مع رعوده الصارخة ، ورياحه النافخة ، ووجوه أيامه الكالحة ، وشرر لياليه التي لا نبيت منها بليلة صالحة ، وسحابه وأمواجه وجليده ، والمشي فوق زجاجه ، وتراكم مطره الأنيث ، وتطاول ليل فرعه الأثيث ، ومواقده الممقوتة ، وذوائب جمره وأهون به لو أنّ كلّ حمراء ياقوته ، وتحدّر نوئه « 2 » المتصبب ، وتحيّر نجمه المتصيّب ، وكيف هو مع جيشه الذي ما أطلّ حتى مدّ مضارب غمامه ، وظلّل الجو بمثل أجنحة الفواخت من أعلامه ، هذا على أنه حلّ عرى الأبنية ، وحلل ما تلف في ذمّة سالف الأشتية ، فلقد جاء من البرد بما رضّ العظام وانخرها ، ودقّ فخّارات الأجسام وفخّرها ، وجمّد في الفم الريق ، وعقد اللسان إلّا أنه لسان المنطيق ، ويبسّ الأصابع حتى كادت أغصانها توقد حطبا ، وقيّد الأرجل فلا تمشي إلّا تتوقع عطبا ، وأتى الزمهرير بجنود ما للقويّ بها قبل ، وحمّل الأجسام من ثقل الثياب ما لا يعصم منه من « قال سآوي إلى جبل » ، ومدّ من السيل ما استبكى العيون إذا جرى ، واجتحف ما أتى عليه وأوّل ما بدا
هامش
( 1 ) اللب : العقل وجمعه ألباب ، وألب كأشد . واللبيب العاقل وجمعه ألباء بوزن أشداء . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 246 ) .
( 2 ) نوئه : النوء سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وجمعه أنواء . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 284 ) .