وأنشدني من لفظه لنفسه بدر الدين حسن بن علي الغزّي « 1 » : ( الكامل )
مات ابن قرصة بعد طول تعرّض * للموت ميتة شرّ كلب نابح
ما زال يشحذ مدية الهجو الّتي * طلعت عليه طلوع سعد الذّابح
حتّى فرى ودجيه عبد صالح * عقر النّطيحة عقر ناقة صالح
فليحيي قاتله ولا شلّت يد * كفت المؤونة كفّ كلّ جرائحي
وقلت أنا فيه : ( السريع )
دع الهجو واقنع بما نلته * من الرّزق لو كان دون الطّفيف
فقرض ابن قرصة عمّ الورى * وراع الدّنيّ بهجو الشّريف
ومات ابن قرصة من جوعه * وشهوته عضّة في رغيف
182 - أحمد بن محمّد « 2 »
فتح الدين البققي بباء موحدة وقافين مفتوحات .
كان مقيما بالديار المصرية يبحث ويناظر ، ويذاكر بالفوائد المنتقاة ويحاضر ، قلّما ناظر أحدا إلّا قطعه ، وأتى به إلى مضيق التسليم ودفعه ، إلّا أنه مع ذكائه ، وحرصه في البحث وإعيائه ، كان يبدو منه من الاستخفاف ما لا يليق ، ويظهر منه في الظاهر ما لا يحسن أن يكون في السرّ من الجابليق ؛ حتى ظهر أنه زنديق ، ونبيّن أنه مرتدّ عن الإسلام عن تحقيق ؛ لأنه كان يستخفّ بالشرع الذي شهدت العقول بحسن وصفه ، ويستهتر بالقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
ولم يزل في جنونه ، ودوران منجنونه ، إلى أن أطاح سيف الشرع رأسه ، وأطفأ ريح القتل نبراسه ، وأصبح الفتح قبحا ، وأورده الذبّ عن الدين القيّم ذبحا ، ضرب القاضي المالكي عنقه بين القصرين سنة إحدى وسبعمائة في شهر ربيع الأول ، وطيف برأسه ، وكان قد تكهّل ، ولما ضرب رأسه بالسيف ، لم يمض قطع رقبته ، فتمّم حزّ رقبته بالسكين .
وأخبرني جماعة بالقاهرة عن ابن المحفّدار أنه قال له يوما : كأني بك وقد ضربت رقبتك بين القصرين ، وقد بقي رأسك معلقا بجلدة ، فكان الأمر كما قال .
هامش
( 1 ) أورد له المصنف ترجمة .
( 2 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 784 ، والوافي بالوفيات : 8 / 158 ، وفوات الوفيات : 1 / 152 ، والبداية والنهاية : 14 / 18 ، وشذرات الذهب : 6 / 2 ، والمنهل الصافي : 2 / 187 .