وحفظا ، ونسكا وإتقانا ، جمع وصنّف ، وذبّ عن السنن .
وروينا عن إبراهيم الحربي قال لما صنف أبو داود هذا الكتاب - يعني كتاب « السنن » - : ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد . وروينا عن أبي عبد اللّه محمد بن مخلد ، قال : كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث ، فلما صنف كتاب « السنن » وقرأه على الناس ، صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف ، يتبعونه ولا يخالفونه ، وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه .
وقال محمد بن صالح الهاشمي : قال لنا أبو داود : أقمت بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند ، فكتبت أربعة آلاف حديث ، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة الآلاف على أربعة أحاديث لمن وفّقه اللّه تعالى ، فأولها : حديث « الحلال بيّن والحرام بيّن » « 1 » ، وثانيها : حديث « إنّما الأعمال بالنيّات » « 2 » ، وثالثها : « إن اللّه طيّب لا يقبل إلا طيّبا » « 3 » ، ورابعها : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » « 4 » .
قلت : وقد قيل : مدار الإسلام على حديث « الدّين النصيحة » « 5 » ، وقيل غير ذلك ، وقد جمعت كل ذلك في كتاب « الأربعين » .
وقال أبو بكر بن داسه : سمعت أبا داود يقول :
كتبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خمس مائة ألف حديث ، انتخبت منها ما ضمنته كتاب « السنن » ، جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مائة حديث ، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه ، ويكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث ؛ فذكر هذه الأربعة إلا أنه ذكر بدل الثالث « لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه » « 6 » .
وروينا عن الإمام أبي سليمان الخطّابي ، قال :
سمعت أبا سعيد بن الأعرابي ونحن نسمع منه كتاب « السنن » لأبي داود ، وأشار إلى النسخة وهي بين يديه ، يقول : لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف ثم هذا الكتاب ، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتّة . قال الخطابي : وهذا كما قال ، لأن اللّه تعالى أنزل كتابه تبيانا لكل شيء ، وقال تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام :
38 ] ، إلا أن البيان ضربان : بيان جليّ ، تناوله القرآن نصا ، وبيان خفيّ تناوله القرآن ضمنا ، وكان تفصيل بيانه موكولا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو معنى قوله تعالى :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
[ النحل : 44 ] فمن جمع الكتاب والسنة فقد استوفى نوعي البيان ، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن ، وأحكام الفقه ، ما لا نعلم متقدما سبقه إليه ، ولا متأخرا لحقه فيه .
قال الخطابي : واعلموا رحمكم اللّه أن كتاب
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 52 ) ومسلم ( 1599 ) من حديث النعمان بن بشير .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 1 ) ومسلم ( 1907 ) من حديث عمر بن الخطاب .
( 3 ) أخرجه مسلم ( 1015 ) من حديث أبي هريرة .
( 4 ) أخرجه الترمذي ( 2317 ) وابن ماجة ( 3976 ) من حديث أبي هريرة .
( 5 ) أخرجه مسلم ( 55 ) من حديث تميم بن أوس الداري ، وذكره البخاري معلقا في كتاب الإيمان ، باب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم « الدين النصيحة . . . » .
( 6 ) أخرجه البخاري ( 13 ) ، ومسلم ( 45 ) من حديث أنس .