ثم قال لهما : كنتما حججتما قط ؟ قالا : لا . فماطلهما بالقراءة إلى أوان الحج ، وكان الوقت قريبا منه ، ولما نودي للحج ، قال لهما : إن كنتما تريدان أن تقرءا على ، وأن أكون شيخكما تحجان « 1 » ، وإذا جئتما مع السلامة إن شاء الله ، يكون كل ما تريدان منى في الاشتغال على . فقبلا أمره وحجا .
ولما عاد الحاج ، جاءا إليه من أثر الحج وهما أقرعان ، وقد غلب الشحوب عليهما من حر الشمس والطريق ، فسألهما عن مناسك الحج ، وما فعلاه فيها . فذكرا له صورة الحال « 2 » .
وقال لهما : لما رميتما « 3 » الجمار ، بقيتما عراة موشحين ، وبأيديكما الحجارة ، وأنتما تهرولا ، وترميان بها ؟ . قالا : نعم . قال : هكذا الواجب ؛ لأن الأمور الشرعية تؤخذ نقلا لا عقلا .
وما كان قصده بذلك ، وأنه أمرهما بالحج ، إلا حتى يتبين لهما أن الحال التي رأياه فيها وعليها ، وتعجبا من فعله ، أن ذلك راجعا إلى الأوامر الشرعية ، وهي فإنما تؤخذ من أربابها متسلمة ممتثلة في سائر الملل ، واشتغلا عليه بعد ذلك إلى أن تميزا ، وكانا من أجل تلاميذه .
وقال " أبو الخطاب محمد بن محمد بن أبي طالب " في كتاب " الشامل في الطب " : إن " أبا الفرج بن الطيب " أخذ عن " ابن الخمار " « 4 » ، وخلف من التلامذة " أبا الحسن بن بطلان " « 5 » ، و " ابن برزج " ، و " الهروي " ، وبنى حيون ، و " أبا الفضل كتيفات " « 6 » ، و " ابن أثردى " ، و " عبدان " ، و " ابن مصوصا " « 7 » ، و " ابن العليق " .
قال : وكان في عصر " أبى الفرج " من الأطباء : صاعد بن عبدوس ، و " ابن تفاح " « 8 » ، و " حسن " الطبيب ، وبنو سنان ، و " الباتلى " « 9 » .
وعنه أخذ : " الرئيس أبو علي بن سينا " « 10 » ، و " أبو سعيد الفضل بن عيسى اليمامي " .
هامش
( 1 ) في طبعة مولر : " فحجا " .
( 2 ) في طبعة مولر : " سورة " .
( 3 ) في طبعة مولر : " رأيتما " .
( 4 ) هو أبو الخير " الحسن بن سوار بن بابا بن بهنام بن الخمار " المعروف بابن الخمار ، من كبار علماء المنطق ، كما كان على معرفة كبيرة بالعديد من العلوم ، وكان نصراني النحلة ، ولد سنة 331 ه ، وله العديد من المؤلفات ، منها : كتاب تفسير إيساغوجى ، وكتاب سيرة الفيلسوف ، وكتاب الصديق والصداقة ، وغيرها ، انظر في ترجمته : تاريخ حكماء الإسلام لظهير الدين البيهقي : 26 ، وتاريخ الحكماء لشمس الدين الشهرزوري : 296 ، إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 113 ، الفهرست للنديم : 536 ، المأثور من كلام الأطباء لأحمد عيسى بك : 27 .
( 5 ) انظر في ترجمته : تاريخ الحكماء للشهرزورى : 192 ، دائرة المعارف الإسلامية : 1 / 98 ، ابن بطلان لعبد الحليم منتصر ، مجلة العربي ، عدد 227 ، أكتوبر سنة 1977 ، ص 95 .
( 6 ) انظر في ترجمته : إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 176 .
( 7 ) ابن مصوصا أحد كبار الأطباء في مدينة بغداد ، درس على أبى الفرج في البيمارستان العضدي . انظر : مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2 / 399 .
( 8 ) هو أبو الحسن تفاح الجرائحى ، من الأطباء المهرة من أبناء القرن الخامس الهجري ، خدم في البيمارستان العضدي ، وكان عضد الدولة قد اختاره للمقام بالبيمارستان بنفسه ؛ لحذقه في الطب . انظر في ترجمته : إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 263 ، مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 1 / 543 .
( 9 ) في طبعة مولر : " النائلى " .
هو أبو عبد الله بن ناتلى نسبة إلى بلدة ناتلة ( إحدى مدن طبرستان ببلاد فارس ) ، وهو حكيم وعالم بالمنطق والرياضيات والمسطحات والمعطيات والمخروطات ، وقيل : إن " ابن سينا " قد تعلم عليه في قوانين المنطق . ولأبى عبد الله رسالة في واجب الوجود وشرح اسمه ، وله رسالة في علم الإكسير . انظر في ترجمته : تاريخ الحكماء لشمس الدين الشهرزوري : 304 ، تاريخ حكماء الإسلام لظهير الدين البيهقي : 37 .
( 10 ) في ب ، ك : " ابن سينا والرئيس أبو علي بن سينا " .