تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
اكتناف الكمامة للزهر ، وامتدت بشرقيّها غوطتها الخضراء امتداد البصر ، فكل موضع لحظته بجهاتها الأربع نضرته اليافعة قيد النظر ، وللّه صدق القائلين عنها : إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها ، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها . ومرافق الغرباء بهذه البلدة أكثر من أن يأخذها الإحصاء ، ولا سيما لحفاظ كتاب اللّه عزّ وجل ، والمنتمين للطلب ، فالشأن بهذه البلدة لهم عجيب جدا ، وهذه البلاد المشرقية كلها على هذا الرسم ، لكن الاحتفال بهذه البلدة أكثر والاتساع أوجد . فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل إلى هذه البلاد ويتغرّب في طلب العلم فيجد الأمور المعينات كثيرة . فأولها فراغ البال من أمر المعيشة ، وهو أكبر الأعوان وأهمها ، فإذا كانت الهمة فقد وجد السبيل إلى الاجتهاد ، ولا عذر للمقصّر إلا من يدين بالعجز والتسويف ، فذلك من لا يتوجه هذه الخطاب عليه ، وإنما المخاطب كل ذي همة يحول طلب المعيشة بينه وبين مقصده في وطنه من الطلب العلمي ، فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك ، فادخل أيها المجتهد بسلام ، وتغنّم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والأولاد وتقرع سن الندم على زمن التضييع ، واللّه يوفّق ويرشد ، لا إله سواه قد نصحت إن ألفيت سامعا ، وناديت إن أسمعت مجيبا
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ
جلّت قدرته وتعالى جدّه ، ولو لم يكن بهذه الجهات المشرقية كلها إلا مبادرة أهلها لإكرام الغرباء وإيثار الفقراء ، ولا سيما أهل باديتها ، فإنك تجد من بدار إلى برّ الضيف عجبا ، كفى بذلك شرفا لهم ، وربما يعرض أحدهم كسرته على فقير فيتوقف عن قبولها ، فيبكي الرجل ويقول : لو علم اللّه فيّ خيرا لأكل الفقير طعامي ، لهم في ذلك سر شريف . وقال الإمام الذهبي : دمشق : نزلها عدة من الصحابة ، منهم بلال الصحابي المؤذن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وغيره ، وكثر بها العلم في زمن معاوية ، ثم في زمن عبد الملك وأولاده ، وما زالت بها الفقهاء والمقرءون والمحدثون في زمن
الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 344 | محمد المقدسي الحنبلي