وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما * يصدّ ذوو ودّ ويجفو المؤالف
لئن ضاق عنّى عفوك الواسع الّذى * أرجّى لإسرافى فإنّى لتالف
ومنهم : 54 - شاب مجهول
حدثني أبو عبد اللّه محمد بن خالص الأنصاري قال : سمعت الشيخ أبا محمد عبد اللّه بن عثمان يقول : من الناس من لم يصل إلى اللّه إلا بعد الأربعين سنة كأبى جبل ، ومنهم من وصل إليه من ساعته كشاب سمعت أبا الحسن بن حرزهم يذكره ، ويقول إنه جاءه شاب عزم على الانقطاع إلى اللّه تعالى فمنعه . فجاءه محلوق الرأس وعليه ثوب خشن فاستشاره في الانقطاع فمنعه أيضا . فأقام بجامع فاس يومين لم يأكل شيئا . فلما كان في اليوم الثالث جاء إلى الساقية التي تشق صحن الجامع لعل ماءها يجئ بورقة يأكلها . فرأى صحفة فيها طعام دفىء . فقام إلى أبواب الجامع فوجدها مغلقة . فأكل الطعام ورد الصحفة إلى الساقية .
فكان إذا جاع يأتي إلى تلك الساقية فيجد الصحفة مملوءة طعاما فيأخذها ويأكل ويردها إلى مكانها . فجاء إلى أبى الحسن فأعلمه فقال له : يا بنى اذهب الآن إلى حيث شئت . قال : فكانت كتبه ورسائله تصل إلى الشيخ ولا يذكر من أي مكان كتب إليه ، فإذا قرأها يبكى ويقول : سبحان اللّه ، هذا شاب وصل إلى اللّه تعالى من ساعته [ البسيط ] :
هذا كتابي إليكم فيه معذرتي * ينبيكم اليوم عن شأني وعن سقم
أجللت ذكركم عن أن يغيّره * لون المداد فقد حبّرته بدمي
ولو قدرت على جلدي لأجعله * رقّا وأبرى عظامي موضع القلم
لكان ذاك قليلا في مودّتكم * وما وجدت له واللّه من ألم