خلفهم ، فالتقوا بجماعتنا الصوفية ، واتّهموهم بأنّهم اللصوص ، وأمسكوهم ، فأنا قلت : أنا شيخهم ، وأنا اللصّ ، فاتركوهم وامسكوني . ففعلوا كما قلت ، وأذهبوني إلى الوالي ، وخلّصت الصوفية من التهمة ، وقطعوا يدي ، ثم قالوا :
من أنت ؟ قلت : أنا فلان . فتأسّف الأمير ، واحترق فؤاده عن فعلته ، قلت :
لا بأس ؛ فإنّ يدي هذه قد خانت ، واستحقّت القطع . قالوا : كيف ؟ قلت :
مسّها شيء هي كانت أطهر منه ، وهو الدينار ، وهي مسّت شيئا هو أطهر منها ، وهو المصحف .
نقل أنه جاء إلى بيته ، وقد قطعت يده ، فصاح أهله وعياله لذلك « 1 » ، فقال الشيخ : لا تبكوا ولا تحزنوا ، فليس هذا بمصيبة وتعزية ، بل هو تهنئة لنا ؛ فإنّ الوصلة التي بين قلبي ومحبّتهم لو قطعت ، ووضع على قلبي كيّ الأجنبية ، ماذا كنّا نعمل ؟ فنحمد اللّه تعالى ونشكره على قطع اليد مكان قطع الوصلة .
ونقل بعضهم : أنّ الأكلة وقعت في يده ، وأشار إليه الأطباء بقطع تلك اليد ، ولم يرض بذلك ، حتى أنه دخل في الصلاة ، فقطعوا يده ، وما أحسّ بالقطع ، فلمّا فرغ من أدائها رأى اليد مقطوعة .
ومن كلامه رحمه اللّه أنه قال : القلب لا يصفو إلّا بتصحيح النيّة ، والجسد إلّا بخدمة الأولياء .
وقال : القلب منزل الأشياء المتضادّة ، فإن كان منزلا للإيمان « 2 » فعلامته الشفقة على جميع المسلمين ، وإعانتهم في أشغالهم التي فيها صلاح أحوالهم ، وإن كان منزلا للنفاق فعلامته الحقد والغلّ والغشّ والحسد .
وقال : الدعوى رعونة لا يطيق القلب حملها .
وقال : ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلّا بملازمة الموافقة والمواظبة على الأدب ، وأداء الفرائض ، وصحبة الصالحين .
هامش
( 1 ) كلمة ( وعياله ) ليست في ( ب ) .
( 2 ) في ( أ ) : فإن كان منزلا للصلاح .