ولكنّها كانت لي حصنا ودرعا .
كانت رابعة الثانية ؛ بل أتقى من رابعة .
بقيت تسعة وعشرين عاما تلبس حقير الثياب وخشنها .
وكانت تقوم الليل دعاء وبكاء .
وبذا فقد نشأ الشاعر بين أبوين صالحين ، فلا غرو أن يكبر وينمو في قلبه حبّ الصلاح والدين والورع ، وحب التصوف والصوفية .
- مارس فريد الدين العطار مهنة أبيه . وكان يتردّد عليه كلّ يوم خمس مئة مريض ، فيفحصهم ويعطيهم الدواء ، كان يعمل ليلا ونهارا حتى وقت اعتكافه في زاويته ، فجعله ذلك ميسور الحال غنيّا ، بل ثريّا .
- لم يذكر أحد شيئا عن أسرة العطار ، وكل ما ذهبوا إليه هو استنتاج من أشعاره . ويحوم الشك حول زواجه ، هل تزوج أم مات عزبا ؟ ويستنتج من جعله ربّا لأسرة متزوّجا أنه رزق بمولود أسماه يوسف ضياء الدين ، وقد توفّي وهو في الثانية والثلاثين ، ورزيء فريد الدين العطار بموت زوجته أمّ ولده بعده ، ثم لحقتهما أمّه الحنون المعطاء .
ولا يستند الفريقان - من جعله أبا ، ومن رأى أنه لم يتزوج أصلا - إلى خبر يقين ، بل كما أسلفت إلى جملة من أشعاره ، وتأويل لنصوصه النثرية .
بقي في نيسابور ثلاثة عشر عاما يعمل بمهنة العطارة كدّا وتعبا ، لكنه لم ينس نصيبه من العلم ، فراح يجمع الكتب ويطالع فيها قراءة وتدبرا . نما في قلبه حبّ التصوف والصوفية منذ الطفولة ، فسار في طريقها متدرجا ، سيرة طبيعية أساسها الدراسة لأحوال القوم وأخبارهم وأقوالهم ، وسندها تذوّقه لهذا المشرب ، وملاءمة مزاجه لهذا المسلك ، وحاضنتها بيئة طيبة متدينة : أب ورع ، وأم معطاء تقية .
جلس في صيدليته يبيع الدواء ويداوي المرضى ، ويغتنم ساعاته في تأليف
تذكرة الأولياء — صفحة مقدمة المحقق 12
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
صمقدمة المحقق ١٢