الماضي ، أوفي المستقبل .
والشرط الأول هو العمدة في تمييز درجة الأنبياء عن غيرهم ، ولا شك أن
اختصاصهم به إنما هو لشدة اتصالهم ، فاذن هم أشد اتصالا بالمبدأ الأول ، وأكمل
قوة من غيرهم ، وكذلك اختلاف مراتبهم عائد أيضا إلى تفاوت نفوسهم في قربها
من المبدأ واتصالها به . وأما باقي الخصال ، فقد يشاركهم فيها الأولياء وتجتمع فيهم ،
والى هذا المعنى أشار النبي ( صلى الله عليه وآله ) بقوله : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل .
وكأن التفاوت بين المعجزة والكرامة إنما يرجع إلى أن الخصال المذكورة ان
صدرت عمن له الشرط الأول سميناها معجزا ، وان صدرت عن غيرهم كانت في
حقه كرامة ( 1 ) انتهى .
أقول : فيه نظر ، أما أولا فلأن قوله ( ولا شك أن اختصاصهم به إنما هو لشدة
اتصالهم ، فاذن هم أشد اتصالا بالمبدأ الأول ) على اطلاقه غير صحيح ، لأن
أئمتنا ( عليهم السلام ) أشد اتصالا وأكمل قوة ، فما ذكره إنما يطابق مذاق المخالفين .
وأما ثانيا ، فلأن المعجز عندنا هو الخارق للعادة المطابق للدعوى المقرون
بالتحدي ، سواء صدر عن نبي أو خليفته ، وما ذكره إنما يتجه على مذاق القوم أيضا ،
وهو منه عجيب ، وكرامات الأولياء جائزة عندنا وواقعة ( 2 ) ، خلافا لأكثر المعتزلة
والأستاذ أبي إسحاق والحليمي من الأشاعرة ، وقصة مريم وقصة آصف وأصحاب
الكهف شواهد بذلك ، وتعلق الخصم بعدم تمييزها عن المعجزة ، فلا تكون المعجزة
دالة على النبوة ، ضعيف جدا ، لأنها تتميز بالتحدي مع ادعاء النبوة ، وتحرير المسألة
في علم الكلام .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة للبحراني 1 : 87 - 88 .
( 2 ) وقد بسطنا الكلام في ذلك في حواشينا على شرح الباب ( منه ) .