صلوحهما للإمامة الكبرى ، وارتقاء المنابر ، وانهما بمعزل عن الصلاحية لامارة على
عسكر أو سرية ، فكيف يصلحان للرئاسة العامة الدينية والدنيوية .
وان الخليق بهذا المقام ، والحقيق بالنقض والابرام ، هو ذلك القرم الهام ، والبحر
القمقام ( 1 ) ، الذي لم يتلوث ذيله بكدورات الآثام ، ولم تعرف له هزيمة ولا نكول في
موقف ولا مقام ، وان وصفه ( صلى الله عليه وآله ) لهذا القرم الهمام بالأوصاف العامة يجري مجرى
الهذيان ، فلا يليق نسبته إلى كلام رسول الملك الديان .
وان جميع من سواه ممن يطمح إليه الأبصار ، وتثنى عليه الخناصر ، سالكون
مسالك التلبيس ، وناهجون مناهج إبليس ، ليسوا ممن أحبه الله تعالى وأدناه إلى
حضرة قربه ، وسقاه كؤوس لطفه وحبه ( 2 ) ، وان مطمح نظرهم هي الدنيا الدنية ،
والزهرات الردية ، والشهوات البدنية ، الا نفرا قليلا ( 3 ) لم يصلحوا لهذا الأمر الجليل
الشأن .
ويؤيد هذا الذي ذكرناه ما رواه أبو عمرو الكشي قدس روحه في كتاب الرجال .
عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بكر الحضرمي ، قال : قال
أبو جعفر ( عليه السلام ) : ارتد الناس الا ثلاثة نفر : سلمان ، وأبو ذر ، والمقداد ، فقلت : فعمار ؟
قال : كان جاض جيضة ( 4 ) ثم رجع ، ثم قال : ان أردت الذي لم يشك ولم يدخله
هامش
( 1 ) أي : البحر العظيم ( منه ) .
( 2 ) فيه دلالة على أن محبة الله سبحانه لعبده هو فيضان الألطاف عليه ، وكشف الحجاب
عن قلبه ، حتى يطئ بساط القرب ، ويروى من كأس الحب ، وقد بسطنا في ذلك في
حواشينا على كتاب الأربعين ( منه ) .
( 3 ) كالأركان الأربعة ومن شاكلهم ( منه ) .
( 4 ) بالجيم والضاد المعجمة ، هذا هو المسموع من المشائخ والثابت في النسخ الصحيحة ،
أي : حاد عن الحق وعدل ثم رجع . قال في القاموس : جاض عن كذا يجيض جيضا : حاد
وعدل . وضبطها بعض الأصحاب حاص بالمهملتين ، فهو أيضا بالمعنى المذكور . وأما ضبطها
بالحاء المهملة والضاد المعجمة مأخوذ من الحيض الدم المعروف على سبيل التشبيه في
القذارة ، كما اتفق لصاحب كتاب محبوب القلوب 1 ، فهو يجري مجرى دم الحيض في
القذارة ، وقد بسطنا الكلام فيه في حواشينا على الخلاصة ( منه ) .