وقال أبو الجوّال المغربيّ : كنت ببيت المقدس جالسا مع رجل صالح ، وإذا قد طلع علينا شابّ ، والصّبيان حوله يقذفونه « 1 » بالحجارة ويقولون :
مجنون . فدخل المسجد وهو ينادي « 2 » : اللهمّ أرحني من هذه الدّار . فقلت له : هذا كلام حكيم ، فمن أين لك هذه الحكمة ؟ فقال : من أخلص في الخدمة أورثه طرائف الحكمة ، وأيّده بأسباب العصمة ، وليس بي جنون وولق « 3 » ، بل قلق وفرق ، ثم جعل يقول :
هجرت الورى في جنب من جاد بالنّعم « 4 » * وعفت الكرى شوقا إليه فلم أنم
وموّهت دهري بالجنون عن الورى * لأكتم ما بي من هواه فما انكتم
فلمّا رأيت الشّوق والحبّ بائحا * كشفت قناعي ثم قلت : نعم نعم
فإن قيل مجنون فقد جنّني الهوى * وإن قيل مسقام فما بي من سقم
وحقّ الهوى والحبّ والعهد بيننا * وحرمة روح الأنس في حندس الظّلم « 5 »
لقد لامني الواشون فيك جهالة * فقلت لطرفي : أفصح العذر فاحتشم
فعاتبهم طرفي بغير تكلّم * وأخبرهم أنّ الهوى يورث السّقم
فبالحلم يا ذا المنّ لا تبعدنّني * وقرّب مزاري منك يا بارئ النّسم
فقلت له : أحسنت ، لقد غلط من سمّاك مجنونا ، فنظر إليّ وبكى ، وقال : أولا تسألني عن القوم ، كيف وصلوا فاتّصلوا ؟ قلت : بلى ، أخبرني .
فقال : طهّروا له الأخلاق ، ورضوا منه بيسير الأرزاق ، وهاموا من محبّته في الآفاق ، واتّزروا بالصّدق ، وارتدوا بالإشفاق ، وباعوا العاجل الفاني بالآجل الباقي ، وركضوا في ميدان السّباق ، وشمّروا تشمير الجهابذة الحذّاق حتى
هامش
( 1 ) في ( ب ) : « يضربونه » .
( 2 ) في ( ب ) : « يقول » .
( 3 ) الولق : شبه الجنون ، وفي روض الرياحين : زلق ، والزلق : العجز .
( 4 ) في ( أ ) : « هجرت الورى في جنب من لاذ » . وفي صفة الصفوة : « في حبّ » .
( 5 ) الحندس : الليل المظلم . معجم متن اللغة ( حندس ) .