ذكرك ، أليس قصدك « 1 » مؤمّلوك ؟ فنالوا ما أمّلوا ، وجدت لهم بالزّيادة على ما طلبوا ؟ فقلت له : يا حبيبي ، إنّي مقيم عليك منذ يوم وليلة أريد أن أسمع من كلامه . فقال لي : قد رأيتك يا بطّال حين أقبلت ، ولكن ما ذهب روعك من قلبي إلى الآن . فقلت له : ولم ذاك ؟ وما الذي أفزعك منّي ؟ فقال :
بطالتك في يوم عملك ، وتركك الزّاد ليوم معادك ، ومقامك على الظّنون .
فقلت له : يا حبيبي ، ما هاهنا فتية تستأنس بهم ؟ فقال : بلى ، هاهنا فتية متفرّقون في رؤوس الجبال . قلت : فما طعامهم في هذا المكان ؟ قال :
أكلهم الفلق من خبز البلّوط ، ولباسهم الخرق من الثّياب ، قد يئسوا من الدّنيا ويئست الدّنيا منهم ، أعطوا المجهود من أنفسهم ، فلمّا دبرت « 2 » المفاصل من الرّكوع ، وقرحت الجباه من السّجود ، وتغيّرت الألوان من السّهر ضجّوا إلى اللّه بالاستغاثة « 3 » .
رحمة اللّه عليه .
* * * وقال ذو النّون : وصف لي رجل بالمغرب ، وذكر لي من حكمته وكلامه ما حملني على لقائه ، فرحلت إليه إلى المغرب ، فأقمت على بابه أربعين صباحا على أن يخرج من منزله إلى المسجد ، ويقعد . فكان يخرج وقت كلّ صلاة يصلّي ويرجع كالغزالة « 4 » لا يكلّم أحدا . فقلت له يوما :
يا هذا ، إنّي مقيم هاهنا منذ أربعين صباحا لا أراك تكلّمني . فقال : يا هذا ، لساني سبع إن أنا أطلقته أكلني . فقلت له : عظني - رحمك اللّه - بموعظة
هامش
( 1 ) في ( ب ) : « قصدوك » .
( 2 ) دبرت : جرحت ، وتقرّحت . معجم متن اللغة ( دبر ) .
( 3 ) صفة الصفوة 4 / 337 .
( 4 ) في صفة الصفوة : كالواله ، وليست اللفظة في ( ب ) .