أجسامهم ، باكية أعينهم ، لم يصحبوا التّعليل والتّسويف ، وقنعوا من الدّنيا بقوت طفيف ، لبسوا من اللباس أطمارا بالية ، وسكنوا من البلاد قفرا خالية ، هربوا من الأوطان واستبدلوا الوحدة من الأخدان ، فلو رأيتهم لرأيت قوما قد ذبحهم الليل بسكاكين السّهر ، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التّعب ، خمص لطول السّرى ، شعث لفقد الكرى ، قد وصلوا الكلال بالكلال ، وتأهّبوا للنّقلة والارتحال « 1 » .
* * * وقال محمد بن إبراهيم الأخرم : خرجت من مصر وأنا على ساحل البحر ، فرأيت امرأة خرجت من برّيّة . فقلت : إلى أين يا أمة اللّه ؟ قالت :
إلى صومعة هاهنا لابن لي . فمشيت معها ، فسمعت صوتا من صومعة :
ومشتاق وليس له قرار * نفور ليس يملكه العذار « 2 »
ومؤنس قلبه ليل طويل * يلذّذه « 3 » ويوحشه النّهار
قضى وطرا به فأفاد علما * فهمّته « 4 » التّعبّد والفرار
ألا صبرا على دنياك صبرا * فكلّ أمورها فيها اغترار « 5 »
فقلت لها : منذ كم صار ابنك هاهنا ؟ قالت : منذ وهبته منه ، وقبله منّي « 6 » .
* * *
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 4 / 372 .
( 2 ) العذار : ما سال من اللجام على خدّ الفرس .
( 3 ) في صفة الصفوة 4 / 373 : « يلذّ به » .
( 4 ) في صفة الصفوة : « فنهمته » .
( 5 ) في صفة الصفوة : « اعتبار » .
( 6 ) صفة الصفوة 4 / 373 .