صحب الجنيد ، والنّوري ، وعمرا المكّيّ ، والمسوحي ، وأبا جعفر الحفّار - وكان من كبار المشايخ وعلمائهم .
صنّف في الطريقة كتبا كثيرة ؛ وله الكلام البليغ والمواعظ الحسنة ، فمن كلامه أنه قال : إنّ اللّه تعالى طيّب الدنيا للعارفين بالخروج منها ، وطيّب الجنة لأهلها بالخلود فيها ، فلو قيل للعارف : إنك تبقى في الدنيا لمات كمدا ؛ ولو قيل لأهل الجنّة : إنكم تخرجون منها لماتوا كمدا ، فطابت الدنيا بذكر الخروج منها ، وطابت الجنّة بذكر الخلود فيها « 1 » .
وقال : اشتغالك بنفسك يقطعك عن عبادة ربّك ، واشتغالك بهموم الدنيا يقطعك عن هموم الآخرة ؛ ولا عبد أعجز من عبد نسي فضل ربّه ، وعدّ عليه تسبيحه وتكبيره الذي هو إلى الحياء منه أقرب من افتخار به ، وطلب ثواب عليه « 2 » .
وقال : المعرفة كلّها الاعتراف بالجهل ؛ والتصوّف كلّه ترك الفضول ؛ والزّهد كلّه أخذ ما لا بدّ منه ، وإسقاط ما بقي . والمعاملة كلّها [ استعمال ] الأولى فالأولى من العلم . والتوكّل كلّه طرح الكيف « 3 » ؛ والرضا كلّه ترك الاعتراض ، والمحبّة كلّها إيثار المحبوب على الكلّ . والعافية كلّها إسقاط التكلّف ؛ والصبر كلّه تلقّي البلاء بالرّحب . والتفويض كلّه : الطّمأنينة عند الموارد . واليقين كلّه ترك الشكوى عندما يضادّ مرادك . والثقة باللّه علمك أنه بك وبمصالحك أعلم منك بنفسك « 4 » .
وقال : ثبت أنّ الوعد والوعيد من اللّه تعالى ؛ فإذا كان الوعد قبل الوعيد فالوعيد تهديد ؛ وإذا كان الوعيد قبل الوعد فالوعيد منسوخ ، وإذا اجتمعا معا فالغلبة والثبات للوعد ، لأنّ الوعد حقّ العبد ، والوعيد حقّ اللّه ، والكريم يتغافل عن حقّه ولا يهمل ، ويترك ما عليه « 2 » .
هامش
( 1 ) طبقات الصوفية ص 428 .
( 2 ) طبقات الصوفية ص 429 .
( 3 ) في طبقات الصوفية : « الكنف » .
( 4 ) طبقات الصوفية ص 428 ، 429 ، وما مرّ بين معقوفين منه .