نفضة « 1 » حتى ندثّره ، ويقول : واللّه لو أنّ نفسي بيدي لأرسلتها . ويضمّ أصابعه ثم يفتحها « 2 » .
وقال : قدم المتوكّل فنزل الشّمّاسيّة « 3 » يريد المدائن ، فقال لي أبي :
يا صالح ! أحبّ أن لا تذهب إليهم « 4 » ولا تنبّه عليّ . فلما كان بعد يوم وأنا قاعد خارجا ، وكان يوم مطر ، إذا يحيى بن خاقان قد جاء والمطر عليه في موكب عظيم فقال : سبحان اللّه ! لم تصر إلينا حتى تبلغ أمير المؤمنين السلام عن شيخك حتى وجّه بي . ثم نزل خارج الزّقاق ، فجهدت به أن يدخل على الدابّة فلم يفعل ، فجعل يخوض المطر ، فلما صار إلى الباب نزع جرموقه « 5 » - وكان على خفّه - ودخل وأبي في الزاوية قاعد ، عليه كساء وعمامة ، والستر الذي على الباب قطعة خيش ، فسلّم عليه وقبّل جبهته وسأله عن حاله وقال : أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول : كيف أنت في نفسك ؟ وكيف حالك ؟ وقد أنست بقربك ، ويسألك أن تدعو له . فقال :
ما يأتي عليّ يوم إلا وأنا أدعو اللّه له . ثم قال : قد وجّه معي ألف دينار تفرّقها على أهل الحاجة . فقال : يا أبا زكريا ! أنا في البيت منقطع عن الناس ، وقد أعفاني أمير المؤمنين من كلّ ما أكره ، وهذا ممّا أكره . فقال :
يا أبا عبد اللّه ! الخلفاء لا يحتملون هذا . فقال : يا أبا زكريا ! تلطّف في ذلك . فدعا له ثم قام ، فلما صار إلى الدار رجع وقال : هكذا لو وجّه إليك بعض إخوانك كنت تفعل ؟ قال : نعم « 6 » .
هامش
( 1 ) النّفضة : الرّعدة من الحمّى . اللسان ( نفض ) .
( 2 ) الحلية 9 / 215 .
( 3 ) الشّمّاسيّة : منسوبة إلى بعض شمّاسي النصارى ، وهي مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد ، وإليها ينسب باب الشماسية . معجم البلدان 3 / 361 .
( 4 ) في الحلية : « اليوم » بدل « إليهم » .
( 5 ) الجرموق : خفّ صغير يلبس فوق الخفّ . اللسان ( جرمق ) .
( 6 ) الحلية 9 / 219 وفيه تتمة الخبر .