وقال نصر بن منصور المصّيصي : ورد إبراهيم بن أدهم المصّيصة « 1 » ، فأتى منزل أبي إسحاق الفزاري فطلبه ، فقيل له : هو خارج . فقال : أعلموه إذا أتى أنّ أخاه إبراهيم طلبه ، وقد ذهب إلى مرج كذا وكذا يرعى فرسه . فمضى إلى ذلك المرج ، فإذا أناس يرعون دوابّهم ، فرعى حتى إذا أمسى فقيل له : ضمّ فرسك إلى دوابّنا . فإنّ السّباع تأتينا . فأبى ، ثم تنحّى ناحية ، فأوقدوا النيران حولهم ، ثم أخذوا فرسا لهم صئولا فأتوا به وفيه شكالان « 2 » يقودونه بينهم ، فقالوا : إنّ في دوابّنا رماكا « 3 » ، فليكن هذا عندك . قال : وما يصنع بهذه الحبال ؟ فمسح وجهه ، وأدخل يده بين فخذيه ، فوقف لا يتحرّك ، فتعجبوا من ذلك لامتناعه ! فقال لهم :
اذهبوا . فجلسوا يرمقونه ما يكون منه ومن السّباع . فقام إبراهيم يصلّي وهم ينظرون ، فلما كان في بعض الليل أتته أسد ثلاثة يتلو بعضها بعضا ، فتقدّم الأول إليه فشمّه ودار به . ثم تنحّى فربض ، وفعل الثاني والثالث كفعل الأول ، ولم يزل إبراهيم يصلّي ليلته قائما ، حتى إذا كان السحر قال للأسد : ما جاء بكم ؟ أتريدون أن تأكلوني ؟ امضوا . فقامت الأسد فذهبت ، فلما كان الغد جاء الفزاريّ إلى أولئك فسألهم فقال : أجاءكم رجل ؟ فقالوا : أتانا رجل مجنون . فأخبروه بقصّته وأروه إيّاه فقال : أو تدرون من هو ؟ قالوا : لا . قال : هو إبراهيم بن أدهم .
فمضوا معه إليه ، فسلّم وسلّموا عليه ، ثم انصرف به الفزاريّ إلى منزله ، فمرّ برجل قد كان إبراهيم سأله مقودا يبيعه ، ساومه به درهما ودانقين ؛ فقال إبراهيم للفزاري : تريد هذا المقود ؟ فقال الفزاريّ لصاحب المقود : بكم هذا ؟ قال :
بأربعة دوانيق . فدفع إليه وأخذ المقود « 4 » .
هامش
( 1 ) مضى التعريف بالمصيصة ص 213 الحاشية ( 4 ) .
( 2 ) الشكالان : مثنى شكال ، وهو العقال ( الحبل ) ، يقال : شكلت الفرس بالشكال .
اللسان ( شكل ) .
( 3 ) رماك : جمع رمكة ، وهي أنثى البراذين . والبراذين من الخيل : ما كان من غير نتاج العرب . اللسان ( رمك ، برذن ) .
( 4 ) الحلية 7 / 392 ، 393 .