الدنيا قد ولّت مدبرة ، والآخرة مقبلة ، ولكلّ واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإنّ اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل « 1 » .
وقال سماك بن حرب عن الحسن بن علي رضي اللّه تعالى عنه : قال لي أبي : أي بني ! لا تخلّفنّ وراءك شيئا من الدنيا ، فإنك تخلّفه لأحد رجلين : إمّا رجل عمل فيه بطاعة اللّه فسعد بما شقيت به ، وإما رجل عمل فيه بمعصية اللّه فكنت عونا له على ذلك ، وليس أحد هذين بحقيق أن تؤثره على نفسك .
وقال أبو إسحاق : قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : كلمات لو رحّلتم فيهنّ المطيّ لأنضيتموهنّ قبل أن تدركوا مثلهنّ : لا يرجو عبد إلّا ربّه ، ولا يخافنّ إلا ذنبه ، ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلّم ، ولا يستحيي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : اللّه أعلم . واعلموا أنّ منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد ، وإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان « 2 » .
وقال عليّ رضي اللّه عنه : ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه ، الذي لا يقنّط الناس من رحمة اللّه ، ولا يؤمّنهم من عذاب اللّه ، ولا يرخّص لهم في معاصي اللّه ، ولا يدع القرآن رغبة إلى غيره ؛ إنه لا خير في عبادة لا علم فيها ، ولا خير في علم لا فقه فيه ، ولا خير في قراءة لا تدبّر فيها « 3 » .
[ موعظة على لعمر بن الخطاب ]
وقال ابن عباس : قال عمر لعليّ رضي اللّه عنه : عظني يا أبا الحسن .
قال : لا تجعل يقينك شكّا ، ولا علمك جهلا ، ولا ظنّك حقّا ؛ واعلم أنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت ، وقسمت فسوّيت ، ولبست فأبليت .
قال : صدقت يا أبا الحسن .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 76 .
( 2 ) أخرجه أبو نعيم بنحوه في الحلية 1 / 75 ، 76 .
( 3 ) أخرجه ابن الجوزي في صفة الصفوة 1 / 325 ، 326 . وفي ( أ ) : « لا تدثر فيها » .