العقار ، والمآثر التي آثرتها ألسنة الإيثار ، بحسن الآثار ، وذكر أن الدولة مع فقرها إلى غنائه ، وفخرها بمضائه ، وإنارة فجرها بأضوائه ، ونضارة روضها بنواره وأنواره ، تخلت عنه تخلي الحسناء عن حليها ، والعقود عن درها ، والبروج عن دريّها ، وذكر أنه قد أنس بوحشة انفراده ، ولبس حلة انزوائه عن أنداده ، وانقبض عن مخالطة الناس ، ورفض مجالسة سائر الأنواع والأجناس ، وولى وجهه شطر مسجد التقوى ، ولزم بيته ونفسه تتقوت بغذاء العلم وتتقوى .
فهذا على ما ذكره صاحب قلائد العقيان ، قريب الزمان من عصر أهلنا الأعيان ، وحكى عنه أنه لما انفصل عن أمير المسلمين « 1 » ، اختار لمسكنه سلا ، واعتقد أنه بمجاورة بني القاسم « 2 » يتسلى ، وكانت ولايتها إلى أبي العباس ، ولأبي محمد لديه يد أنجته من نكبة تمت له ( من البؤس واليأس ، فلما سار إليه لم يرفع له الرأس ) « 3 » ولم يوله في حال الوحشة الإيناس ، فنسبه فيه إلى قلة الوفاء ، وحسبه من كثرة الجفاء ، فكتب إليه أبو العباس يعتذر ، بأنه من أمير المسلمين يحذر :
وا حسرتا لصديق ما له عوض * إن قلت من هو لا يلقاك معترض
ألقاه بالنفس لا بالجسم من حذر * لعلة ما رأيت الحر ينقبض
فكتب الوزير أبو محمد ابن القاسم إليه في جوابه « 4 » :
شدّ الجياد إذا أجريت منقبض * ما للوجيه على الميدان معترض
أنى تضاهيه فرسان الكلام ومن * غباره في هواديهن ما نفضوا
جرت على مستو من طبعه كلم * هي المشارب لكن ما لها فرض
هامش
( 1 ) لعله يريد بأمير المسلمين علي بن يوسف ، فان دولة بني القاسم دامت في مدينة البنت حتى السنة 500 وهي السنة التي توفي فيها يوسف بن تاشفين .
( 2 ) في الأصل : بني العباس [ وما أثبت من القلائد ] ولم نعثر على ترجمة لبني القاسم أصحاب سلا .
( 3 ) سقط ما بين القوسين من الأصل [ والزيادة من ( ت ) والقلائد ] .
( 4 ) [ من هنا إلى قوله : يا من يعز علينا ، ساقط من ( ت ) ] .