أن ابن حيّوس « 1 » لما وصل إلى مصر استأذن له الوزير « 2 » في الإنشاد بالقصر ، فهيّئ له محفل في يوم ، فأنفذ الداعي « 3 » إلى حظى الدولة ، وأعلمه / وتقدم إليه بالحضور للإنشاد ، فلما حضر اعتقد أن الشاعر المأذون له هو فأنشد ، وأطال ، ثم دخل ابن حيّوس ، وأنشد ، فأظهروا له الملال . وأطلق له ألف دينار ، فأخذها حظىّ الدولة ، فاجتهد الوزير ، حتى قسمها بينه وبين ابن حيّوس ، ومن شعره :
مؤمّل يهب الدنيا بما جمعت * لآمليه ولا يعتدّ ما وهبا
ومنتض كلّ يوم في المهارق من * أقلامه مرهفات قطّعا قضبا
طورا تكون سيوفا في عداه و * أطوارا تكون على قصّاده صحيا
كالسّيل والليل واللّيث الغضنفر * والغيث المزمجر إن أملى وإن كتبا
ومنها :
فلا تعرّفه آباء له كرموا « 4 » * أو يلحقوا الزّمن الأقصى أبا فأبا
فالراح قد أكثر المدّاح وصفهم * لها ولم يذكروا في « 5 » وصفها العنبا
وله يلغّز بالميزان :
أخوان هذا إن يحز * مالا فهذا معدم
متلاصقان وربما * جلب التفرّق درهم
ما ذاك من بخل ولكنّ الجميع مبرسم « 6 »
هامش
( 1 ) هو ابن حيوس شاعر الشام المشهور في القرن الخامس ولد سنة 451 وتوفى سنة 493 ه وقد أورد ابن سعيد الحكاية في المغرب بتوضيح أكثر مما في الخريدة .
( 2 ) في المغرب : الوزير اليازورى وهو من وزراء المستنصر .
( 3 ) هو المؤيد - كما في المغرب - داعى الدعاة ، ويقول صاحب المغرب إنه انتقد على ابن حيوس قصد الوزير دونه ، فدبر له هذه المؤامرة .
( 4 ) البيت في المغرب :لا تمدحنه بآباء له كرموا * وأحرزوا الأمد الأقصى أبا فأبا( 5 ) في المغرب : مع .
( 6 ) مبرسم : معلول إلى حد الهذيان .