وفارقت عزّا بالشام لألتقى * بمصر الذي من أجله فضّلوا مصرا
لئن طبت في مستنزه لم تكن به * فلا زلت ألقى عندك الصدّ والهجرا
ولو كنت في عدن « 1 » وكنت بغيرها * - وحوشيت - آثرت الخروج إلى برّا
ولو كنت في بصرى « 2 » وحبّك لم أقل * أيا بصرى لا تنظرنّ إلى بصرى
وهذا المصرع الأخير هو مبتدأ أبيات كان عملها عند عبوره على بصرى :
أيا بصرى لا تنظرنّ إلى بصرى * فإني أرى الأحباب في بلدة أخرى
وما بلدة لم يسكنوها ببلدة * ولو أنها بين السّماكين والشّعرى
وما القفر بالبيداء قفر وإنما * أرى كلّ دار لم يكونوا بها قفرا
تذكرت أحبابي وإني لمؤمن * ولكن أراني ليس تنفعنى الذكرى
لقد ضرّنى البين المشتّ ومزّنى « 3 » * فيا لك بينا ما أضرّ وما أضرى
أأهبط من مصر وقدما قد اشتهى * على اللّه أقوام فقال اهبطوا مصرا
وكم لي بها دينار وجه تركته * ورائي فعينى [ بعده « 4 » ] تشتكي الفقرا
فو اللّه ما أشرى الشآم وملكه * وغوطته الخضرا بشبرين من شبرا
فإن عدت والأيام عوج رواجع * لقد أنشأتني قبلها النشأة الأخرى
وقال :
يا عاطل الجيد إلا من محاسنه * عطّلت فيك الحشا إلا من الحزن
في سلك جسمي درّ الدمع منتظم * فهل لجيدك في عقد بلا ثمن
لا تخش منى فإني كالنسيم ضنا * وما النسيم بمخشىّ على غصن
هامش
( 1 ) عدن : جنة عدن .
( 2 ) بصرى : من أعمال دمشق وهي في كورة حوران .
( 3 ) مز : من شرب المز ، وهو الحامض .
( 4 ) زيادة من ت ، وقد سقطت في الأصل .