في الخلاق .
ولقد كان فصيحا « 1 » لا يشقّ غباره في المناظرة ؛ ولا يلحق شأوه في المجادلة بعبارة تصبي الصّابئ إليها ويصحبه الصّاحب لديها . مفت لو رآه الشافعي في زمانه لحجّ بمكانه . ألقي إليه الخصوم في العلم مقاليد السّلم ؛ سابق فرسان الشّرع والشّعر ؛ وفالق بتدقيقه وتحقيقه فيهما للشعر . له القوى الإلهاميّة على افتراع بنات الأفكار ؛ والمنّة الغريزية على اختراع الرّسائل والأشعار ؛ تتلاشى طيارات المستدلّين في حواشي دلاله ؛ وتضمحلّ عبارات المترسّلين في جنب رسائله هذا والشّعر نجم من نجومه ؛ وغرفة من بحار علومه وهو أدنى منقبة من مناقبه وأقلّ مرتبة من مراتبه ، مع ما فيه من العبارات العالية والمعاني الغالية في ضمن الحسن والإيجاز ؛ والإعجاب والإعجاز فمن بيده قلم الفتيا ويفتخر به الدّين والدّنيا لا ينوّه ذكره بشعر نظمه على سبيل هزل أو جدّ ؛ من غير باعث فإنّه لم تكن به حاجة إلى اجتداء أحد . كانت أعناق الجميع إلى فوائده ممتدّة ؛ وأبصار الفضلاء عن مداه في الفضل مرتدّة . ولم يزل كذلك إلى آخر عمره .
وسمعت خبر وفاته ببغداد سنة تسع وخمسين وخمس مائة . بعد أن ملأ أصفهان ؛ بل البلاد علما ؛ فانثالت تلامذته في البلاد عربا وعجما .
فممّا وقع اليّ من نظمه ؛ وقرأته عليه من قصيدة له في مدح الوزير السّعيد الشهيد كمال الدين السّميرمى أوّلها :
قمر مطالعه من الكلل * أبدا فؤادي منه في شغل
فدع الملام فليس متّسعا * قلبا هواه فيه للعذل
كيف السّلوّ ولا أرى بدلا * عنه فأسلو عنه بالبدل
أم كيف ترجوا صحو مفتتن * سقي الهوى عللا على نهل
لم يبق منه فرد جارحة * الّا وفيه جراحة المقل
واللّه ما في سلوتي طمع * أبدا ولا لي عنه من حول
هامش
( 1 ) . من هنا تبدأ نسخة ط .