محمد بن موسى البطليوسي المعروف بابن الغراب : قال لي أبو نصر هارون بن موسى بن جندل النحوي : كنا نختلف إلى أبي علي البغدادي رحمه اللّه وقت إملائه النوادر بجامع الزهراء ، ونحن في فصل الربيع فبينا أنا ذات يوم في بعض الطريق ، إذ أخذتني سحابة فما وصلت إلى مجلسه رحمه اللّه إلا وقد ابتلت ثيابي كلها ، وحوالي أبي علي أعلام أهل قرطبة ، فأمرني بالدنو منه ، وقال لي : مهلا يا أبا نصر ، لا تأسف على ما عرض لك ، فهذا شيء يضمحل عنك بسرعة بثياب غيرها تبدلها ، ولقد عرض لي ما أبقى بجسمي ندوبا يدخل معي القبر ، ثم قال لنا : كنت أختلف على ابن مجاهد رحمه اللّه ، فادلجت إليه لأتقرب منه .
فلما انتهيت إلى الدرب الذي كنت أخرج منه إلى مجلسه ، ألفيته مغلقا وراث علي فتحه .
فقلت : سبحان اللّه أبكر هذا البكور ، وأغلب على القرب منه .
فنظرت إلى سرب بجنب الدار ، فاقتحمته فلما توسطته ضاق بي ، ولم أقدر على الخروج ، ولا على النهوض فاقتحمته أشد اقتحام حتى نفذت ، بعد أن تخرقت ثيابي ، وأثر السرب في لحمي حتى انكشف العظم ، ومن اللّه علي بالخروج ، فوافيت مجلس الشيخ على هذه الحال .
فأين أنت مما عرض لي : وأنشدنا :
دببت للمجد والساعون قد بلغوا * جهد النفوس وألفوا دونه الأزرا
فكابدوا المجد حتى مل أكثرهم * وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
قال أبو نصر ، فكتبناها عنه من قبل أن يأتي موضعها في نوادره .
وسلاني بما حكاه وهان عندي ما عرض لي من تلك الثياب واستكثرت من الاختلاف إليه ، ولم أفارقه حتى مات ، رحمه اللّه .
كتب من عندي هذه الحكاية شيخنا القاضي أبو عبد اللّه بن الحاج ، رحمه اللّه ، واستحسنها وأعجب بها .
قال ابن حيان : توفي يوم الاثنين لأربع بقين من ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة .
1456 - هارون بن سعيد .
من أهل مرسية ، وصاحب صلاتها ، وخطيبها يكنى أبا موسى .
روى عن أبي محمد الأصيلي .
روى عنه أبو عبد اللّه بن عابد ، وقال : كتبت عنه من خطبه ، وأفادني من غرائب روايته ما