في هذا وهو يحلي مؤلفاته بمنتخبات من الشعر يختارها مما يرويه لغيره أو ينظمها للمناسبات المختلفة ، وقلما نجد مجلسا من مجالسه إلا وقد ختمه ببعض الشعر مما يناسب موضوع المجلس ، وقد لاحظ الذهبي هذا إذ قال :
« ولابن عساكر شعر حسن يمليه عقيب كثير من مجالسه » « 1 » وقد نقلنا نموذجا لهذا الشعر قصيدة أنشدها في آخر المجالس التي عقدها للكلام على صفات اللّه عزّ وجل « 2 » وهي لا تمتاز بشيء عن شعر الفقهاء ، ومن هذا النوع أيضا قوله :
ألا إنّ الحديث أجلّ علم * وأشرفه الأحاديث العوالي
وأنفع كلّ نوع منه عندي * وأحسنه الفوائد والأمالي
فإنك لن ترى للعلم شيئا * يحققه كأفواه الرجال
فكن يا صاح ذا حرص عليه * وخذه عن الرجال بلا ملال
ولا تأخذه من صحف فترمى * من التصحيف بالداء العضال « 3 »
ويبدو لنا نظمه أقرب إلى روح الشعر في مقطعاته التي ينشدها أمام أصدقائه أو يرسلها إليهم في إخوانياته تعبيرا عن مشاعره التي أثارتها مناسبات خاصة ، وربما تأنق في نظمه والتزم ما لا يلزم كما في الأبيات التالية التي أرسلها لابن السمعاني يعاتبه إذ لم ينفذ إليه كتاب دلائل النبوة كما كان وعده :
ما خلت حاجاتي إليك * وإن نأت داري مضاعه
وأراك قد أهملتها * وأضعتها كل الإضاعه
هامش
( 1 ) سير أعلام النبلاء 20 : 570 .
( 2 ) انظر ص 32 من هذه المقدمة . وقد أملى ابن عساكر مئات المجالس فقد بعضها وحفظ كثير فيها في خزائن المكتبة الظاهرية بدمشق ، وبعض هذه المجالس منشور في كتيبات خاصة بعد تحقيقه أو في مجلة مجمع دمشق .
( 3 ) الأبيات في خريدة القصر 1 : 275 ووفيات الأعيان 3 : 310 ، ومرآة الجنان 3 :
294 ، وسير أعلام النبلاء 2 : 569 ، وشذرات الذهب 4 : 399 وغيرها .