وقال : كنت ببغداد في جامع المدينة ، وهناك جماعة من الفقراء ، فأقبل شابّ ظريف ، حسن الوجه ، طيّب الرّائحة ، فقلت لأصحابنا : يقع لي أنّه يهودي . فكلّهم كرهوا ذلك ، فخرجت ، وخرج الشّابّ ، ثمّ رجع إليهم ، وقال : أيش قال الشّيخ فيّ ؟ فاحتشموه ، فألحّ عليهم ، فقالوا :
قال : إنّك يهودي . قال : فجاءني ، وأكبّ علي يدي يقبّلها وأسلم . فقيل له : ما السّبب ؟ قال : نجد في كتبنا أنّ الصّدّيق لا تخطئ فراسته ، فقلت :
أمتحن المسلمين . فتأمّلتهم ، فقلت : إنّ كان فيهم صدّيق ففي هذه الطّائفة ، فلبّست عليكم ، فلمّا اطّلع هذا الشّيخ عليّ ، وتفرّس فيّ ، علمت أنّه صدّيق . وصار ذلك الشّابّ من كبار الصّوفية « 1 » .
وقال المزيّن الكبير : كنت يوما مع إبراهيم الخواص في بعض أسفاره ، فإذا عقرب تسعى على فخذه ، فقمت لأقتلها ، فمنعني ، فقال :
دعها ، كلّ شيء مفتقر إلينا ، ولسنا مفتقرين إلى شيء « 2 » .
وروي : أنّه كان في سفره ، ومعه ثلاثة نفر فبلغوا مسجدا في بعض المفاوز ، فباتوا فيه ، ولم يكن عليه باب ، وكان البرد شديدا ، فناموا ، فلمّا أصبحوا رأوه واقفا على الباب ، فقالوا له في ذلك ، فقال : خشيت أن تجدوا البرد . وكان واقفا طول ليلته « 3 » .
وقال : تهت أيّاما في البادية ، فجاءني شخص ، فسلّم عليّ ، وقال لي :
تهت ؟ قلت : نعم . فقال : ألا أدلّك على الطّريق ؟ ومشى بين يدي خطوات ، ثمّ غاب عن عينيّ ، وإذا أنا على الجادّة بالطّريق . فبعد ذلك ما تهت ، ولا أصابني في سفر جوع ولا ألم ولا عطش « 4 » .
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 350 ( الفراسة ) ، تهذيب الأسرار 325 ، المختار 1 / 200 .
( 2 ) الرسالة القشيرية 413 ( أحكامهم في السفر ) .
( 3 ) المختار 1 / 201 .
( 4 ) الرسالة القشيرية 501 ( كرامات الأولياء ) ، تهذيب الأسرار 358 ، المختار 1 / 200 .