فكيف عزّ من يعبده ؟ يا حنيفي ، أقبل على ربّك ، ودع الذّهاب والمجيء « 1 » .
وقال بقيّة بن الوليد : قال لي إبراهيم بن أدهم : مررت براهب في صومعته ، والصّومعة على عمود ، والعمود على قلّة جبل « 2 » ، كلّما عصفت الرّيح ، تمايلت الصّومعة ، فقلت « 3 » : يا راهب . فلم يجبني ، ثمّ ناديته ثانية ، فلم يجبني ، فقلت في الثّالثة : بالذي حبسك في صومعتك إلّا أجبتني . فأخرج رأسه من صومعته ، فقال : [ كم تنوح ! ] سمّيتني باسم لم أكن له بأهل . قلت : يا راهب . ولست براهب ، إنّما الرّاهب من رهب من ربّه عزّ وجل . قلت : فما أنت ؟ . قال : سجّان ، سجنت سبعا من السّباع .
قلت : ما هو ؟ . قال : لساني سبع ضار ، إن أرسلته مزّق النّاس ، يا حنيفي إن لله عبادا سلكوا خلال ديار الظّالمين ، واستوحشوا من مؤانسة الجاهلين ، وشابوا ثمرة العلم بنور الإخلاص ، وأقلعوا بريح اليقين ، حتّى أرسوا بشاطئ الصّدق ، هم واللّه عباد « 4 » كحّلوا أبصارهم بسهر اللّيل ، فلو رأيتهم في ليلهم ، وقد نامت عيون الخلق ، وهم قيام على أطرافهم ، يناجون من لا تأخذه سنة ولا نوم ، يا حنيفي ، عليك بطريقهم . قلت :
فعلى الإسلام أنت ؟ . قال : ما أعرف غير الإسلام دينا ، ولكن عهد إلينا المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام ، ووصف لنا آخر زمانكم ، فخلّيت الدّنيا ، وإنّ دينك لجديد ، ولقد خلق ديننا . قال بقية : فما أتى على إبراهيم شهر حتّى هرب من النّاس « 5 » .
هامش
( 1 ) الحلية 8 / 29 ، المختار 1 / 232 .
( 2 ) قلّة الجبل : أعلى الجبل .
( 3 ) في المختار : فناديته .
( 4 ) في ( أ ) : ولله عبادا .
( 5 ) الحلية 8 / 29 ، المختار 1 / 233 .