فهناك سكنت الألسن الهادرة ، ووقفت المرادة [ 1 ] الغادرة ، وعاد من حضر يثني على مولاي ويقرّظه ، ويحمل من شكره ما يئوده ويبهظه [ 2 ] ، فإن كانت هذه الوكالة واقعة منه بالوفاق ، فيجعل ثوابي عليها انحلال العقدة من جبينه ، وزوال التمارض من جفونه ، وخفض الإصبع من سلامه ، وترك النزوة على غلامه [ 3 ] .
وله من أخرى في مثله :
أرى [ 4 ] سلام سيّدي قد تقاصر طويله ، وروض جوّه قد زاد ذبوله ، وماء بشره قد غاضت بحوره ، ونشاط لقائه قد استمرّ فتوره ، وما عهدته - أعزّه اللّه - تزدهيه الشبهة وتستخفّه ، وتصدّه عن كرم العهد وتكفّه ، وينزل المين من سمعه بالمكان المهيب ، ومن قلبه بالقابل المستجيب ، بل هو يرحب إذا حرج المضيق ، ويرطب وقد عصب الريق ، وتمرّ به المحفظات وهو راض ، وتوقطه المغايظ وهو متغاض :
إذا أمرته مرّة من حفاظه * بسوء نهاه خلقه البارد العذب
فما الذي أعاد فلقه غاسقا ، وصريحه ماذقا ، فإن يك عن ملل [ 5 ] فؤاده ، وتشعّب وداده :
فكم أخ غيّره يومي ال * مقبل عن أمسي به الذاهب
ملّ فلم يعطف لحبّ الصبا ال * حاني ولا حقّ العلا الواجب
واستقرّت الوزارة لبعض أصحابه ثم توقف الأمر بعد فيها فكتب إليه : الخيرة - أطال اللّه بقاء سيدنا - تجيء من غير الأمر المختار ، و [ هي ] مخبوءة تحت أستار الأقدار ، فكم سبب اجتمعت فيه شوارد الآمال ، ولبس ظاهره مسحة من الجمال ، كان المكروه منظوما في تاجه ، منطويا في أثنائه وأدراجه ، وآخر ظهر للنّاس بلون شاحب ، ووجه قاطب ، كان ضامنا لابتسام الزمن ، وكافلا بالأجمل الأحسن ، وبهذا أدّب تعالى عباده ، وقال في الكتاب المكنون :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً
هامش
[ 1 ] ص : الموادة ؛ والمرادة : العتو والتمرد .
[ 2 ] ص : وينهضه .
[ 3 ] ص : أعلامه .
[ 4 ] ص : أي .
[ 5 ] ص : ملكه .