بالترحال ، فصار إلى ميّافارقين ، وأميرها يومئذ نصر الدولة أحمد بن مروان الكرديّ ، فتقلّد وزارته بعد طول مقام ، وبعد مرام ، وخلع المرقّعة والصوف ، ولبس الممسّك والشّفوف ، فهتك ستر الحياء ، وخلع ربقة الرياء ، فصار كما قال في نفسه ، وقد ابتاع غلاما تركيا كان يهواه ، قبل أن يبيعه منه مولاه [ 1 ] :
تبدّل من مرقّعة ونسك * بأنواع الممسّك والشفوف
وعن له غزال ليس يحوي * هواه ولا رضاه بلبس صوف
فعاد أشدّ ما كان انهتاكا * كذاك الدهر مختلف الصروف
ثم روسل بعد بوزارة الموصل [ 2 ] ، فسار إليها ، وتقلّد لحينه وزارة المستولي عليها ، فملك زمامها ، وصرّف أيامها ، ودوّخ معالمها وأعلامها ، وأتى على ما كان بها من رمق ، وجرى من العسف بأعاظم أهلها من أبعد طلق ؛ ثم راسلته وزارة بغداد وأميرها يومئذ أبو علي بن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة بن عضد / الدولة بن ركن الدولة أبي عليّ ، فتبحبح ذروتها ، واقتعد لوقته صهوتها ، فانتظمت له الأيام ، وحمد على يديه النقض والإبرام ، وبلغ الحال التي تصغر عنها النّعم ، وتقصر دونها الهمم . ثم إن أبا عليّ أوقع بمن كان يتهمه من الأتراك ، وكان قد نهاه الوزير ، وأشار عليه بما يقتضي التدبير ، فأبى إلّا ركوبا لرأسه ، وإدلالا بنفسه ، فاضطرب العسكر اضطرابا اضطرهما جميعا إلى الهرب ، وأفضى بهما إلى استجارة أمير العرب .
حدّث نحرير غلامه قال : عهدي بالوزير وهو خارج ، وقد لبس ثيابا رثّة ، وعلى وجهه منديل قد لفّه فيه لئلا يمتاز / [ 134 ] من جملة العامّة ، وقد أقبل عليّ استقبلني في الدهليز ينشدني لنفسه في الحال [ 3 ] :
تمرّست منّي العلا بامرئ [ 4 ] * قد علق المجد بأمراسه
يستنجد النجدة من رأيه * ويستقلّ الكثر من باسه [ 5 ]
الوزير قدم إلى ابن المغربي مالا كثيرا كي يرحل عن الموصل فسار عنها إلى ديار بكر ( بغية الطلب 5 : 26 ) .
هامش
[ 1 ] الأبيات في بغية الطلب 5 : 26 ، وأعتاب الكتاب : 206 ، والشريشي 5 : 305 ، وتاريخ المسيحي : 234 ب .
[ 2 ] كان ذلك بعد وفاة ابن أبي الوزير الكافي .
[ 3 ] الأبيات في دمية القصر 1 : 96 ، ومعاهد التنصيص 3 : 33 ، وإعتاب الكتاب : 207 .
[ 4 ] دمية : قارعت الأيام مني امرأ .
[ 5 ] روايته في دمية القصر :