وخبر . منها قوله يصف إبريقا قد ملئ منه كأس وبقيت في فمه نقطة لم تسقط [ 1 ] :
وقهوة في فم الإبريق صافية * كدمع مفجوعة بالإلف معبار
كأنّ إبريقنا والراح في فمه * طير تناول ياقوتا بمنقار
فكانوا يولعون بهذا التشبيه ، كما قاله - زعم - على البدية ، وإنما نقل لفظ أبي البركات العلوي ممّا أنشده الثعالبي [ 2 ] :
كأنّما إبريقنا طائر * يحمل ياقوتا بمنقار
أو قول أبي الفرج الببّغاء من أرجوزة خاطب بها الصابي [ 3 ] :
كأنّما الحبّة في منقارها * حبابة تطفو على عقارها
وكان صاعد مع ما قدّمته من صفته بديع الجواب حاضره ، طيّب المعاشرة ، فكه المجالسة ، ممتعا محسنا للسؤال ، حاذقا في استخراج الأموال . دخل [ 4 ] على المنصور يوم أنس وقد تقدّم واتخذ قميصا من رقاع الخرائط التي وصلت إليها فيها [ 5 ] صلاته ولبسه تحت ثيابه ، فلمّا خلا المجلس ورأى فرصة لما أراد ، تجرّد وبقي في القميص المخيط من الخرائط ، فقال له : ما هذا ؟ قال : هذه رقاع صلات مولانا اتخذتها شعارا ، وبكى ، وأتبع ذلك من الشكر بما استوفاه . فأعجب به المنصور وقال له : عندي مزيد .
وحكي عنه [ 6 ] أنه لم يحضر بعد موت المنصور مجلس أنس لأحد ممن ولي بعده ، وادّعى وجعا لحق ساقه .
وكان صاعد [ 7 ] كثيرا ما يمدح بلاد المشرق بمجلس المنصور ، ويباهي بأخبارها ، ووصف أشربتها وأديارها ، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك بن شهيد [ 8 ] إلى المنصور
هامش
[ 1 ] نفح الطيب 3 : 96 ، وبدائع البداية : 302 .
[ 2 ] اليتيمة 4 : 420 .
[ 3 ] اليتيمة 1 : 270 .
[ 4 ] القصة في إنباه الرواة 2 : 86 بإيجاز ، وفي أزهار الرياض 5 : 133 نقلا عن كتاب الزهرات المنثورة .
[ 5 ] ص : فيه .
[ 6 ] إنباه الرواة 2 : 87 .
[ 7 ] نفح الطيب 3 : 260 ، وبدائع البداية : 354 .
[ 8 ] هو الوزير عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك ابن شهيد والد الشاعر أبي عامر وأحد شيوخ الوزراء في الدولة العامرية ( الجذوة : 261 ) .