إليّ ما عمرت به مجالس فيها الرئيس والمرءوس ، وأنت بها المنادم [ 1 ] والجليس ، فقلت لمبلّغ ذاك : هيهات ! أبت الأعراق الزكيّة ، والأخلاق السنية [ 2 ] ، أن أتنقّص بحضرتها ، أو ينسب إليّ الكذب بمشهدها ، فلما انتهى إليّ تصديقك ما نقله الواشون ، وأفكه الحاسدون [ 3 ] ، واللّه المستعان على ما يصفون [ 4 ] ، وستكتب شهادتهم ويسألون ، قلت :
صفرت وطاب المروّة ، ودرست آثار الأخوّة ، وطمست أعلام الرعاية ، ونفقت سوق السّعاية .
/ وفي فصل منها [ 5 ] : ومن أعجب العجائب ما يتّصل بنا عنكم على ألسنة العامّة وكثير من الخاصّة ، بما لا أصل له ، ولا شبهة تصحّ منه ، فالأنفس سلم ، والألسن حرب ، ولو اتصلت المداخلة لارتفعت الشبهة ، ولم تبق لمتخلّق حيلة ، ولا صار الكذب قربة ووسيلة ؛ وقد كنت بفضلك حضضت على فتح باب الصّلة ، والتعهد بالرّسل لاستحكام المقة ، فامتثلنا ذلك حسبما حضضت ، وصرنا إلى ما إليه ندبت [ 6 ] ، رغبة في تأكيد الخلّة ، وحرصا على حسم كلّ علّة ، ووافقنا من المنصور - أيده اللّه - نفسا جانحة إليكم ، وسريرة حريصة عليكم ، فعميد الدولة - أعزّه اللّه - عمّه الحاني ، وأهله الداني ، فلم تتقبّل الرسل عندكم بواجب القبول ، ولا تؤوّل أمرهم على أجمل تأويل ، فما لك أنت أبا جعفر لا تجدّد ذلك الوصل ، ولم لا تصل ذلك الحبل ، وتقطع ألسنة أهل الزور ، وتحقق ما تنسّقه [ 7 ] الأباطيل ؟ حتى يلوح الحقّ ، في معرض الصدق ، ويشمل [ 8 ] السداد ، ولا ينفق سوق الكساد ؛ وأنت قطب عليه يدار ، ورأيك سراج به يستنار ، وما خاطبتك إلّا مشفقا من حبل وصله اللّه أن ينقطع بالباطل ، وودّ أخلصه اللّه أن يتغير بقول ناقل ، فإن هذا إن تمادى بحسبه ، وبقي التنافر والاستيحاش على شخصه ، تعظم الدائرة ، وتتفاقم النائرة ، وتزلّ القدم ، ولا ينفع الندم ، وما أخصّ بقولي هذا فريقا ، ولا أورد إلّا تحقيقا ، واللّه يكشف الغطاء عن قلوب قد رين عليها ، وزيّن الشيطان أسباب الفساد إليها .
هامش
[ 1 ] ط د س : والمنادم .
[ 2 ] ط د س : الزاكية . . . السامية .
[ 3 ] ط د س : الخاسرون .
[ 4 ] انظر الآية 18 من سورة يوسف .
[ 5 ] وفي فصل منها : سقطت من د ط س .
[ 6 ] ط د س : أشرت .
[ 7 ] د ط س : وتتحقق . . . تنمقه .
[ 8 ] ط د س : ويشتمل .