أصبحت صفرا يدي مما تجود به * ما أعجب القدر « 1 » المقدور في رجب
ذلّ وفقر أدالا عزّة وغنى * نعمى الليالي من البلوى على كثب
قد كان يستلب الجبار مهجته * بطشي ويحيا قتيل الفقر في طلبي
والملك يحرسه في ظلّ واهبه * غلب من العجم أو شمّ من العرب
فحين شاء الذي آتاه ينزعه * لم يجد شيئا قراع السمر والقصب
فهاكها قطعة تطوى لها حسدا * « السيف أصدق إنباء من الكتب »
ومما قاله في ابنيه ، وتعجّب من حاليه ، قال « 2 » :
بكت أن رأت إلفين ضمهما وكر * مساء وقد أخنى على إلفها الدهر
بكت لم ترق دمعا وأسبلت عبرة * يقصّر عنها القطر مهما همى القطر
وناحت وباحت واستراحت بسرّها * وما نطقت حرفا يبوح به سرّ
/ فما لي لا أبكي أم القلب صخرة * وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر
بكت واحدا لم يشجها غير فقده * وأبكي لألّاف عديدهم كثر
بنيّ صغير أو خليل موافق * يمزّق ذا قفر ويغرق ذا بحر
ونجمان زين للزمان احتواهما * بقرطبة النكداء أو رندة القبر
غدرت إذن إن ضنّ جفني بقطرة * وإن لؤمت نفسي فصاحبها الصبر
فقل للنجوم الزّهر تبكيهما معي « 3 » * لمثلهما فلتحزن الأنجم الزهر
قال ابن بسام : وهذه القطعة يشبه أولها قطعة عوف بن محلم ، وما أراه إلا بها ألمّ ، وعلى منوالها سدّى وألحم ، وهي « 4 » :
وأرّقني بالريّ نوح حمامة * فنحت وذو الشجو الغريب ينوح
على أنّها ناحت ولم تذر عبرة * ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما * ومن دون أفراخي مهامه فيح
هامش
( 1 ) ك : الحادث .
( 2 ) ديوانه : 68 ، والقلائد : 21 .
( 3 ) ك : معا .
( 4 ) طبقات ابن المعتز : 187 ، وابن خلكان 3 : 86 .