عبد مطيع مسخّر ، ومملوك يتصرّف مدبّر ، حقيق بأن يحسن إليّ فأدنى ، وجدير بأن يهتبل بي ولا أجفى ، لأني سابق حلبة النّوار ، وأوّل / طلائع الأزهار ، وأنا ناظر الفضل وعينه ، ونضار الروض ولجينه ، وقائد الظّرف وفارسه ، وعاقد مجلس الأنس وحارسه .
وفي فصل منها : فهل لمولاي أن يحسن إليّ صنيعا ، ويكرم النّور جميعا ، ويدنيني فأرقى إلى أختي الثريّا سريعا ، في مجلس قد أخلصته سحائبه ، وأفرغت الحسن عليه والطيب ضرائبه ، وجهك بدره ، وغرّتك فجره ، وأخلاقك زهره ، وثناؤك درّه وعطره ؛ وتعمل في أمر الدنيا رأيك ، وتترك الهموم حيث تركها الناس قبلك ، ولو صلح الكمد لأحد لكنت أنا أحقّ من لزمه ، وأثبت عليه قدمه ، لأني سريع الذّبول ، وشيك الأفول ، لا يصحبني الظهور إلا قليلا ، ولا أمنح من متاع السّرور إلا تعليلا ، غير أني مغتنم لساعاتي ، آخذ من الأنس بقدر استطاعاتي ، وقديما أكرمني مولاي فلا يهنّي ، ووصلني فلا يصرمني ، ومنحني فلا يحرمني :
لا تهنّي بعد ما أكرمتني * فشديد عادة منتزعه « 1 »
[ 40 ب ] ولابن الحناط « 2 » رقعة في وصف هذه الرسالة ، منها فصل قال فيه : بعثت إليك برسالة الوزير الكاتب أبي عمر « 3 » الباجي في البهار ، منقولة بخطّي على اختلاله ، واختلاف أشكاله ، إلا أنّ حسن الرسالة ، وموضعها من البلاغة والجزالة ، يغطّي على قماءة خطّي ، ودناءة ضبطي ، فاجتلها - أعزّك اللّه - عروس فكر ، لحظها حبر ، ولفظها سحر ، ومعناها بديع ، ومنتهاها رفيع ، ومرماها سديد ، ركب اللفظ الغريب فاعتنّ له « 4 » المراد البعيد ، يطمع ويؤيس ، ويوحش ويؤنس ، فأما إطماعها فبما تحرز من لدونة / ألفاظها وسهولة أغراضها ، وأما إياسها فبما يعجز من امتثالها ، ويبعد من منالها ، واللّه يمتعك برياض الآداب تجتني أزهارها ، وتنتقي خيارها .
ولأبي عمر في نزول الغيث بعد القحط « 5 » : إنّ للّه تعالى قضايا واقعة بالعدل ،
هامش
( 1 ) البيت لأبي الأسود الدؤلي كما في تهذيب ابن عساكر 7 : 114 ، وافتتاح الدعوة : 127 ، وديوانه : 64 .
( 2 ) هو محمد بن سليمان الرعيني أبو عبد اللّه ، راجع ترجمته في القسم الأول : 437 .
( 3 ) ل : أبي عمرو ، حيثما وقع .
( 4 ) ط د م س ل : فاعتزله .
( 5 ) قارن بالقلائد : 103 ، والخريدة 2 : 382 ، ونهاية الأرب 1 : 85 ، ووردت أيضا في العطاء الجزيل : 129 .