وله فصل من أخرى إلى أبيه « 1 » : لما خلق الربيع من أخلاقك الغرّ ، وسرق زهره من شيمك الزّهر ، حسن في كلّ « 2 » عين منظره ، وطاب في كلّ سمع خبره ، وتاقت النفوس إلى الراحة فيه ، ومالت إلى الإشراف / على بعض ما يحتويه ، من النور الذي كسا الأرض حللا ، لا يرى الناظر في أثنائها خللا ، فكأنها نجوم نثرت على الثرى ، وقد ملئت مسكا وعنبرا ، إن تنسّمتها فأرجة ، أو توسّمتها فبهجة ، تروق العيون أجناسها ، وتحيي النفوس أنفاسها :
فالأرض في بردة من يانع الزّهر * تزري إذا قستها بالوشي والحبر « 3 »
قد أحكمتها أكفّ المزن واكفة * وطرّزتها بما تهمي من الدرر
تبرّجت فسبت منّا العيون هوى * وفتنة بعد طول السّتر والخفر
فأوجدني سبيلا إلى إعمال بصري فيها ، لأجلو بصيرتي بمحاسن نواحيها ، والفصل على أن يكمل أوانه ، وينصرم وقته وزمانه ، فلا تخلني من بعض التشفّي منه ، لأصدر نفسي متيقّظة « 4 » عنه ، فالنفوس تصدأ كما يصدأ الحديد ، ومن أجمّها فهو السّديد الرشيد .
وله من أخرى إلى بعض إخوانه « 5 » : قد علم سيدي أن بمرآه يكمل جذلي ، ويدنو أملي ، وقد خللت محلا عني الجوّ بتحسينه ، وانفرد الربيع بتحصينه ، فكساه حللا من الأنوار ، بها ينجلي صدأ البصائر والأبصار ، فمن مكتوم « 6 » يعبق مسكه ، ولا يمنعه مسكه ، ومن باد « 7 » يروق مجتلاه ، ويفوق مجتناه ، في مرآه وريّاه ، فتفضّل بالخفوف نحوي ، وتعجيل اللحاق بي ، لنجدّد من الأنس مغاني درست ، ونفكّ من السّرور معاني قد أشكلت وألبست « 8 » ، / ونشكر للربيع « 9 » ، ما أرانا من البديع .
قال ابن بسام : ووجدت لأبي الوليد هذا رسالة عارض بها أبا حفص ابن برد في
هامش
( 1 ) البديع : 28 - 29 ، والنفح 3 : 427 ، والعطاء الجزيل في كشف غطاء الترسيل ص : 4 .
( 2 ) ك والبديع والعطاء : لكل .
( 3 ) البديع : 29 .
( 4 ) ل : مستيقظة .
( 5 ) البديع : 30 ، والعطاء الجزيل : 4 .
( 6 ) البديع : مكموم ؛ ل : مكتوب .
( 7 ) ك : بادر .
( 8 ) في النسخ : وأبلست .
( 9 ) ل ك ط م د س : الربيع .