فإنّه كان - زعموا - ممن وسع هذه الخلال ، وجمع هذه الأحوال ، حاشا التي في السّرّة فإنّه انتبذ عنها ، وبرئ إلى أصحابه الشّعراء منها . وما ينقضي التعجّب من السميسر ، فإنّه لمّا سمع المتنبي يقول :
أبوكم آدم سنّ المعاصي * وعلّمكم مفارقة الجنان [ 1 ]
حسده على غلوّه فقال بيته المتقدّم الذّكر :
إن كان قد أخرجه ذنبه * فما لنا نشرك في الأمر ؟
والسّميسر في هذا كما يحكى عن بعض الرّواة قال : كان أحد المخنثين قد تسربل المجون ، وعب البطالة والجنون ، حتى محّ شبابه ، وأقصر أترابه ، ولم يدع عارا إلّا ركبه ، ولا إثما إلّا ارتكبه ، فطاف به طائف اعتلال ، بعد طول إملاء من اللّه وإمهال ، فكان يقول : أي ربّ ، بأيّ ذنب أخذت ، وعلى أيّ جريرة عوقبت ؟ ! هذا كان استغفاره ، حتّى محا الموت أخباره .
وقال أيضا :
يا شعراء العصر لا تحسبوا * شعركم مذ كان محسوسا
فإنّما حيّكم ميّت * كأنّما محييكم عيسى
إن كان منظومكم عندكم * سحرا فمنظومي عصا موسى
وقال في أبي عبد اللّه بن الحدّاد بالمريّة [ 2 ] :
قالوا ابن حدّاد فتى شاعر * قلت وما شعر ابن حدّاد ؟
أشعاره مثل فراخ الزّنى * فتّش تجد أخبث أولاد
ومن شعره في أوصاف شتى
ضعت في معشر كما ضاع نوح * بين قوم قد أصبحوا [ 3 ] كفّاره
هامش
وأجرأ من رأيت بظهر غيب * على عيب الرجال ذوو العيوب[ 1 ] ديوان المتنبي : 558 .
[ 2 ] مرت ترجمته ص : 691 .
[ 3 ] ط : فأصبحوا .