يا سيّدي والذي رضاه رضى * عليه دون الأنام أعتمد
أما ترى الدّهر كيف جادلنا * بيوم أنس ساعاته جدد
ورد جني وروضة تركت * بوفرها والمياه تطّرد
فقل لأمّ الحسان تقتلني * ولا عليها دم ولا قود
واشرب كشربي على محبّة من * في صوتها العذب طائر غرد
ومالت الشمس هناك إلى الغروب ، وأحدثت شعاعا في تلك الرّوضة ، وعلا خرير الماء ببرد العشيّ ، فقال أيضا :
إذا الشمس مالت للغروب رأيتني * أميل بأثقال الهوى فأميل
تذكّرني أوصاف من عرض الهوى * عليّ فلمّا همت ظلّ يحول
خليليّ وجدي فوق ما تبصرانه * فهل لي إلى السّلوان عنه سبيل
خذا رحمة من بعض ما بي من الهوى * فإنّ الهوى حمل عليّ ثقيل
قال : واجتمعنا يوما بمجلس أنس ، وكتبنا إلى أبي بكر عبادة [ 1 ] ، وقد كان تاب عن الشراب ويساعد في النّبيذ :
نبيذك المحكم يدعوكا * مستشعرا شوقا إلى فيكا
فامنن بإقبال وإلّا مضى * جميعنا دمت لناديكا
فراجعنا بقوله وجاء لوقته :
قصدي بود ليس مشكوكا * فيه وعهد ليس متروكا
من حقّ ناديكم على شاكر * غدا لكم صنوا ومملوكا
وكيف صبري عن نديّ أرى * فيه دم الكرمة مسفوكا
وغبت مدة طويلة من الدهر في سفر لقيت فيه نصبا ، وصحبت قوما لم يحسن موقعهم من نفسي ولا التذذت بهم ، ثم قدمت مشتاقا إلى الأنس به ، فكتبت إليه [ 2 ] :
يا من أقلب طرفي في محاسنه * فلا أرى مثله في الناس إنسانا
لو كنت تعلم ما لاقيت بعدك ما * شربت كأسا ولا استحسنت ريحانا
هامش
[ 1 ] هو أبو بكر عبادة بن عبد اللّه بن محمد بن عبادة بن ماء السماء الوشاح ، وقد مرت ترجمته ص : 468 - 489 .
[ 2 ] منها أبيات في المغرب 1 : 436 ، والنفح 3 : 398 والمسالك .