الهواء ، وقد أوردت من ذلك ما يكون أنطق لسان بنباهة ذكره ، وأعدل شاهد على براعة قدره .
/ وقد ذكره ابن حيان في فصل من كتابه فقال [ 1 ] : وفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة نعي إلينا أبو عبد اللّه محمد بن سليمان بن الحنّاط الشاعر الضرير القرطبي ، بقية الأدباء النحارير في الشعر ، هلك بالجزيرة الخضراء في كنف الأمير محمد بن القاسم ، وهلك إثره ابنه الذي لم يكن له سواء بمالقة فاجتثّ أصله . وكان من أوسع الناس علما بعلوم الجاهلية والإسلام ، بصيرا بالآثار العلوية ، عالما بالأفلاك والهيئة ، حاذقا بالطب والفلسفة ، ماهرا في العربية والآداب الإسلامية ، وسائر التعاليم الأوائلية ؛ من رجل موهّن في دينه ، مضطرب في تدبيره ، سيّئ الظن بمعارفه ، شديد الحذر على نفسه ، فاسد التوهم في ذاته ، عجيب الشأن في تفاوت أحواله . ولد أعشى الحملاق ، ضعيف البصر ، متوقد الخاطر ، فقرأ كثيرا في حال عشاه ، ثمّ طفئ نور عينيه بالكلية ، فازداد براعة ، ونظر في الطب بعد ذلك فأنجح علاجا . وكان ابنه يصف له مياه الناس المستفتين عنده ، فيهتدي منها إلى ما لا يهتدي له البصير ، ولا يخطئ الصّواب في فتواه ببراعة الاستنباط ؛ وتطبب عنده الأعيان والملوك والخاصّة ، فاعترف له بمنافع جسيمة ، وله مع ذلك أخبار كثيرة مأثورة .
جملة من نثره
فصل له من رقعة خاطب بها ابن دري [ 2 ] : حنانيك أيها الغيث الهطل ، ولبيك أيها الرّوض الخضل ، فإنه طلع علينا من رعين رائد رتع [ 3 ] بروضك ، وكرع [ 4 ] في حوضك ؛ هزّ بك عطف الشعر ، فمدّ إليك طرفه ، وثنى إليك عنان الشكر ، فحثّ نحوك طرفه .
/ وكان فلان ذو الخلق العميم ، والخلق الكريم
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ *
( الحديد : 21 ) يتحفنا من ذكرك بنافجة مسك ، ويخبرنا بخبرك عن واسطة سلك ، وتعرف مواقع الغيث بروّاده ، ويوقف على مواضع الماء بورّاده . فعن مقة
هامش
[ 1 ] نص ابن حيان شديد الإيجاز في ط .
[ 2 ] وردت هذه الرسالة في العطاء الجزيل : 96 .
[ 3 ] العطاء : يرتع .
[ 4 ] العطا : ويكرع .