عن بركة ماء ، وفيها عانة من حمر / الجنّ [ 1 ] وبغالهم ، قد أصابها أولق فهي تصطك بالحوافر ، وتنفخ من المناخر ، وقد اشتد ضراطها ، وعلا شحيجها ونهاقها ، فلما بصرت بنا أجفلت إلينا وهي تقول : جاءكم على رجليه ، فارتعت لذلك ، فتبسّم زهير وقد عرف القصد ، وقال لي : تهيّأ للحكم . فلمّا لحقت بنا بدأتني بالتفدية ، وحيّتني بالتكنية ، فقلت : ما الخطب ، حمي حماك أيّتها العانة ، وأخصب مرعاك ؟ قالت : شعران لحمار وبغل من عشّاقنا اختلفنا فيهما ، وقد رضيناك حكما . قلت : حتّى أسمع . فتقدمت إليّ بغلة شهباء ، عليها جلّها وبرقعها ، لم تدخل فيما دخلت فيه العانة من سوء العجلة وسخف الحركة ، فقالت : أحد الشعرين لبغل من بغالنا وهو :
على كل صبّ من هواه دليل * سقام على حرّ الجوى ونحول
وما زال هذا الحب داء مبرّحا * إذا ما اعترى بغلا فليس يزول
بنفسي التي أمّا ملاحظ طرفها * فسحر ، وأمّا خدها فأسيل
تعبت بما حمّلت من ثقل حبّها * وإنّي لبغل للثّقال حمول
وما نلت منها نائلا غير أنّني * إذا هي بالت بلت حيث تبول
والشّعر الآخر لدكين الحمار :
دهيت بهذا الحبّ منذ هويث * وراثت إرادتي فلست أريث
كلفت بإلفي منذ عشرين حجّة * يجول هواها في الحشا ويعيث
[ وما لي من برح الصّبابة مخلص * ولا لي من فيض السّقام مغيث ]
وغير منها قلبها لي نميمة [ 2 ] * نماها أحمّ الخصيتين خبيث
وما نلت منها نائلا غير أنّني * إذا هي راثت رثت حيث تروث
فضحك [ 3 ] زهير ، وتماسكت وقلت للمنشدة : ما هويث ؟ قالت : هو هويت ، بلغة الحمير ، فقلت : واللّه إن للرّوث رائحة كريهة ، وقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم في الشّعر ! فقالت : فهمت عنك . وأشارت إلى العانة أنّ دكينا مغلوب ، ثم انصرفت قانعة راضية [ 4 ] .
هامش
[ 1 ] ب س : الوحش .
[ 2 ] ب س : تميمة .
[ 3 ] ب س : فاستضحك .
[ 4 ] ط : فانصرفت . . . رضية .