فلمّا سمع أبوها قوله قال له : بابن أخي ، من أنت ؟ قال : أنا الشّنفرى . قال : قد برّحت بقومك ، واستعنت على حربهم بأعدائهم ، ولولا أني أخاف أن يقتلوني لأنكحتك . فقال له : إن قتلوك قتلت منهم مائة رجل . فأنكحه ابنته ، وخرج معه .
فعلم قومه بذلك ، فقتلوا أباها . فبلغ ذلك الشّنفرى وامرأته ، فجعل لا يظهر لها الجزع على أبيها ، غير أنّه يصنع النّبل ويبريها ويريشها ، ويجعل أفواقها « 1 » من القرون والعظام .
فقالت له : لقد خيّب اللّه ظنّ أبي يوم أنكحك إيّاي ، فأنشأ يقول :
كأن قد ، فلا يغررك مني تمكّثي * سلكت طريقا بين يربغ فالسّرد « 2 »
وإنّي زعيم أن تثور عجاجة * على ذي كساء من سلامان أو برد « 3 »
ثم قال لقومه « 4 » :
1 -
أقيموا بني أمّي صدور مطيكم * فإني إلى قوم سواكم لأميل
2 -
فقد حمّت الحاجات والليل مقمر * وشدّت لطيّات مطايا وأرحل « 5 »
3 -
وفي الأرض منأى للكريم من الأذى * وفيها لمن خاف القلى متعزّل « 6 »
4 -
لعمرك ما في الأرض ضيق على امرئ * سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
هامش
( 1 ) الأفواق ج فوق : وهو موضع الوتر من السهم . وفي الأصول : فواقها .
( 2 ) كأن قد ، صيغة تدل على اقتراب الأمر ، أي اقترب أخذي بثأر أبيك . تمكثي : تملي ، وفي الأصول : تمكني ، وهو تصحيف . يربغ والسرد : موضعان بين عمان والبحرين .
( 3 ) رواية الأصول : زنيم ، مكان زعيم ، ولبد مكان برد ، وأثبتّ رواية الأغاني 21 / 193 .
( 4 ) هذه القصيدة من مشهور أشعار الجاهليين ، وتعرف بلامية العرب ، وعدة أبياتها في بعض المصادر ثمانية وستون ، وفي مصادر أخرى سبعون ، وقد شرحها غير واحد ، وشك بعض الباحثين في صحة نسبتها إلى الشنفرى . وقد أثبت ناسخ ( أ ) أبياتا مختارة منها ، وكذلك ناسخ النسخة ( ج ) ، وأثبتها ناسخ ( ب ) بتمامها ، فأثرت إثباتها منه توخيا لفائدة القارئ .
( 5 ) حمّت : قدرت ، والليل مقمر : أي الأمر واضح . الطية : الحاجة والقصد .
( 6 ) القلى : البغض . متعزل : معزل .