ثم ارتحل حتى أتى الجزيرة ، فنزل بها على زفر بن الحارث الكلابيّ ، فألطفه زفر وأكرمه ، وسأله فقال له : ممّن أنت ؟ فقال عمران : أنا رجل من حمير ، ثم من الأوزاع ، وكانت لزفر فيهم خئولة ، فأعجب به ، وقرّبه وكلّم رجلا لم يناطق مثله في العلم والفقه ، ورأى رجلا حسن الهيئة والحديث ، فأعجبه وأكرمه .
وأقبل عمران على الصّوم والصّلاة ، وكان شباب من بني عامر يتولّعون به ، لكثرة صلاته وقيامه ، ويهزءون به ، واستثقلوه . فبينما هو جالس مع زفر ، إذ أقبل من عند روح إلى زفر ، وكان قد رأى عمران ، أيام كونه مع روح ، فلمّا رأى عمران عرفه ، فسأله زفر : أتعرفه ؟ فقال : نعم ، هذا رجل من أزد شنوءة ، كان ضيفا لروح بن زنباع .
فقال له زفر : يا هذا ، إنّ لك قصّة وشأنا ، أزديا مرّة ، وأوزاعيّا مرّة . أخبرني بقصّتك ، إن كنت خائفا أمّناك ، وإن كنت عائلا واسيناك ، وإن كنت طريدا آويناك . قال عمران : اللّه المؤوي والمغني ، وإنّما أنا رجل عابر سبيل .
ثم إنّ عمران لمّا أمسى أخذ غفلة من الناس ، وخلّف في منزله رقعة ، وخرج هاربا .
وكان في الرّقعة هذه الأبيات :
إنّ التي أصبحت يعيا بها زفر * أعيت عياء على روح بن زنباع
ما زال يسألني حولا لأخبره * والناس ما بين مخدوع وخدّاع
حتى إذا انجذمت منّي حبائله * كفّ السّؤال ولم يولع بإهلاعي
فاكفف سؤالك عنّي إنني رجل * إمّا صميم وإما فقعة القاع « 25 »
واكفف لسانك « 26 » عن لومي ومسألتي * ما ذا تريد إلى شيخ لأوزاع
هامش
( 25 ) فقعة القاع : أي لا أصل له ، تشبيها له بالفقع الذي ينبت في القاع ، والفقع : الكمأة الرديئة .
( 26 ) في الأصول : سؤالك ، وأثبت ما في الأغاني 18 / 113 والكامل 3 / 1087 لأنه أنسب للسياق .