عطفت على ملك الرّوم فقتلته واستلبت ملكه . فلم يتّهمه قيصر في قوله ذلك ، وقال :
هذا رجل جاءنا ولم نعرفه ، ولم يكن له بنا حرمة ، فأكرمناه وزوّجناه كريمتنا ، وأعطيناه جيشا ، ثم يدبّر في هلاكنا . فتذمّم أن يقتله معه . فلمّا بعث الجيش معه ، وسار امرؤ القيس ، وجّه في أثره رجلا من أصحابه ومعه حلّة مسمومة ، وقال : أقر عليه السلام وقل له : إن الملك قد بعث إليك بحلّة قد لبسها ليكرمك بها ، فإذا اغتسلت بماء حارّ فالبسها وأدخله الحمّام ، فإذا خرج منه فألبسه إيّاها . قال : فأدركه الرجل بالحلّة ، وهو في الحمّام بأنقرة ، وكان به قروح ولا تندمل ، ولذلك كان يسمّى ذا القروح . فدفع إليه الحلّة ، فلمّا لبسها تساقط جلده وجميع لحم جسده وصار قرحة من قرنه إلى قدمه .
فذلك قوله في قصيدته :
لقد طمح الطّمّاح من بعد أرضه * ليلبسني من دائه ما تلبّسا
وبدّلت قرحا داميا بعد صحّة * وبدّلت بالنّعماء والخير أبؤسا « 111 »
ثم نزل إلى جنب جبل يقال له عسيب ، وفي جانبه قبر لابنة بعض ملوك الرّوم ، فسأل عن ذلك القبر ، فأخبر به ، فقال :
أجارتنا إن الخطوب تنوب * وإنّي مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنّا غريبان هاهنا * وكلّ غريب للغريب نسيب
فإن تصلينا فالقرابة بيننا * وإن تهجرينا فالغريب غريب « 112 »
فلمّا أيقن بالموت قال :
كم طعنة مثعنجره * وخطبة مسحنفره
وجفنة مدعثره * قو غودرت بأنقره « 113 »
هامش
( 111 ) الديوان ص 107 ، مع بعض الاختلاف .
( 112 ) الديوان ص 357 ، ورواية الشطر الأول فيه : أجارتنا إن المزار قريب ، والبيت الثالث غير مذكور فيه ، ولا يصح أن يتحدث امرؤ القيس إلى امرأة ميتة عن الوصل والهجر .
( 113 ) الديوان ص 349 ، مع بعض الاختلاف في الرواية . المثعنجرة : السائلة . مسحنفرة :