قال : فمضى طيّئ حتى أتى بئرا بناحية حضن « 19 » ، فأقام هناك بها ، وسرّح إبله . ثم إنّ ولده انتشى « 20 » لهم المرعى ، فرجعوا إلى طيئ ، فأخبروه أنهم قد أصابوا قرية من قرى عاد يقال لها : إحليلى « 21 » ، فانتشروا إلى وراء ذلك ، إلى فضاء من الأرض ، فأقاموا بها .
قال : وأقبل جمل أزبّ أخشب « 22 » ، فضرب في إبلهم ، فأقام . فلمّا كان ذهاب هياج الإبل رجع عنهم إلى وطنه . فلمّا كان من قابل أقبل أيضا فضرب في الإبل ، ثم رجع .
فلمّا كان في العام الثالث عاودهم على عادته ، فرأوا في سنامه ووبره عثاكيل « 23 » التمر ، وفي بعره النّوى ، فقال طيّئ لولده : إن هذا البعير ليجيء من مكان مخصب ، أنظروه « 24 » ، فإذا انصرف ، وتبعه أولاده ، فليركب رجلان منكم في طلبه . فلمّا انصرف البعير لم يبق شيء من ولده إلّا تبعه ، وقفا أثره أسامة بن لؤيّ بن الغوث بن طيئ والحارث بن فطرة بن طيّئ على جملين ، فكان يرعى النّهار ويرعيان معه حتى المساء ، ثم مضى ويمضيان معه ، ويجعلان الصّوى والآرام « 25 » ، ليعلما بها السبيل والقصد . فمضى حتى دخل باب أجأ « 26 » ، وكان عليه باب من حديد مصراعاه عرضهما خمسة أذرع ، فنزعه عبد الملك بن مروان ، ووسّع الباب فجعله تسعة أذرع ، حين بلغه عرض الطرمّاح بن عديّ بن حاتم الطائيّ « 27 » على الحسين بن عليّ بن أبي طالب أن يأتي به
هامش
( 19 ) حضن : جبل بأعلى نجد . ( ياقوت ) .
( 20 ) انتشى منه رائحة طيبة أي شمّها ، ومثلها : استنشى وتنشّى ونشي . ( اللسان ) .
( 21 ) إحليلى : شعب لبني أسد فيه نخل . ( معجم البلدان ) .
( 22 ) جمل أزب : كثير شعر الوجه ، والأخشب : الخشن الغليظ . ( اللسان ) .
( 23 ) عثاكيل التمر ج عثكول : وهو في النخل بمنزلة العنقود من العنب .
( 24 ) أنظروه : أمهلوه .
( 25 ) الصوى ج صوّة : حجر يكون علامة في الطريق . ومثلها الآرام جمع إرم .
( 26 ) أجأ وسلمى : جبلا طي ، بأعلى نجد .
( 27 ) نسب الطرماح الشاعر الخارجي في الأغاني ( 12 / 35 ) : الطرمّاح بن حكيم بن الحكم بن نفر . . . بن عمرو بن الغوث بن طيئ وهو الطرماح الأصغر ، أما الطرمّاح الأكبر فهو الطرماح بن عدي بن عبد اللّه بن خيبريّ ، وله شعر ( ابن حزم ص 401 ) .