ملك أبرهة بن الرائش
قال عبيد بن شرية : فسار أبرهة ذو المنار غازيا نحو المغرب ومعه ابنه العبد بن أبرهة على مقدّمته ، واستخلف على اليمن ابنه إفريقيش بن أبرهة ، فسار حتى أوغل في البلاد وبلغ بلاد السودان ، فقضى فيها برّا وبحرا ، فلمّا أمعن بدا له في المقام [ فأقام ] وسرّح ابنه العبد في غرب الأرض حتى انتهى إلى بلاد النسناس ، إلى قوم وجوههم في صدورهم ، فإذا كان النهار استجنّوا « 68 » في الماء من حرّ الشمس ، وإذا كان الليل خرج بعضهم إلى بعض . فوضع فيهم السيف ، فأبادهم ، ورجع إلى أبيه بنفر منهم ، فقدم بهم على أبيه فذعر الناس منهم ، فسمّي ( العبد ) بذلك ذا الأذعار . ولمّا رجع أبرهة من مسيره ذلك ، أمر بمنار ، فبني له وأوقد عليه ليهتدي به ، فسمّي أبرهة بذلك ذا المنار .
وقال في ذلك اليحموم بن مالك بن زيد بن المثاب « 69 » بن عمرو بن ذي أنس :
وقد بلغت من البلاد مبالغا * يا ذا المنار فمن يروم لحاقكا
قدت الجياد فأمعنت في برّها * وحملت منها في السّفين كذلكا
حتى وطى جمعاك حيث تثبّتت * أولاد حام في فضاء بلادكا
أوغلت عبدا فاستقرّ به النوى * حيث العجيب بغير خلق رجالكا
فأتاك بالنسناس خلق وجوههم * في الصّدر منهم قادهم لفنائكا
أنت القهور فلا ترام بذلّة * نعم الخليفة في البلاد فعالكا
من ذا يجاري إن سموت لخطة * هيهات أعجزهم سموّ سنائكا
خضع الملوك لما رأوا من كيده * كرما لحمير إذ علت بعلائكا « 70 »
وبلغ ذو المنار مبالغ ، كثيرة انتهى فيما سار إلى وادي الرّمل ، وجعل هناك علامة ، ثم كرّ راجعا نحو المشرق حتى بلغ وادي النّمل ، فوجد - فيما يقال - النّملة تحمل القتيل وسلاحه ، ووجد الأمور تخرج عن حدّ ما تعرف ، فجعل هناك حيث انتهى
هامش
( 68 ) استجنوا : اختبئوا .
( 69 ) في أخبار ابن شرية ( ص 420 ) : المنتاب .
( 70 ) أخبار ابن شرية ( ص 421 ) مع اختلاف في الرواية ، وقد أخذت في البيت الأخير برواية ابن شرية لأني وجدتها أجود ، وفي الأصول : جمعوا الملوك لما رأوا من كندة .